فهرس الكتاب

الصفحة 2297 من 27364

الدرس الرابع: هو ضرورة تحجيم النزعات العاطفية لدى التيار الإسلامي في مواقفه تجاه النوازل الجديدة الحالة بالأمة، ولا أقول تجاوز العاطفة؛ لأنها قيمة إنسانية وشرعية مهمة ودافعة لحيوية أي عمل ونشاط، ولكن المشكلة تأتي من انفراد العاطفة بتشكيل الموقف، وإنما تأملات العقل والخبرة السياسية والدعوية والحسابات الدقيقة للمواقف من شأنها أن توفر الكثير من الطاقات الإسلامية المهدرة، وأن تجعل الجهد الإسلامي أكثر فاعلية وتأثيرا وإثمارا، وفي الموقف الأخير من أحداث العراق، ومع الإعزاز الأمين للموقف الأخلاقي الرائع لبعض الشباب الإسلامي الذي ذهب للقتال في العراق ضد الغزو الأمريكي، والقيمة الرمزية الكبيرة لهذا العمل، إلا أن"القيمة العملية"لم تكن مناسبة ، ولا أقول خاسرة، وربما كانت الحسابات الأصح تجعل توقيت هذا الدعم بعد ذلك وليس قبل الحرب، حيث تنجلي المواقف خاصة وأن النظام الذي يحكم هناك ليس إسلاميا بكل المقاييس، وليس أمينا ولا شريفا بشهادة التاريخ، وربما كان الأمر بحاجة إلى"ضمانات"سياسية تحول دون تحول الشباب الإسلامي إلى"ضحية"لغدر هذا أو ذاك، وربما كانت هناك صيغ أخرى لدعم الشعب العراقي أكثر قيمة مما كان، ولا شك في أن الدور المستقبلي للدعم الإسلامي للعراق سيكون أهم مما قدم أثناء الحرب، بل ولعله يكون حاسما في تشكيل مستقبل هذا البلد العريق .

إيجابيات الحدث

الذي لا شك فيه أن هذه الأحداث لم تخل من إيجابيات لا ينبغي أن نغفل عنها في خضم تأملنا لمأساة الشعب العراقي ومأساتنا معه، وأهم هذه الإيجابيات على الإطلاق هي خلاص الشعب العراقي والأمة بكاملها من أحد أعتى النظم الديكتاتورية التي عرفتها في تاريخها الحديث، لم يكن صدام حسين والبعث مجرد حكومة مستبدة وظالمة، بل كانت كارثة على العراق والعرب والمسلمين، ولنكن صرحاء، فإن صدام حسين وزمرته كان من المستحيل نزعهم من العراق والمنطقة إلا بهذه الطريقة، رغم كراهيتنا البدهية له، فقد تمكن هذا الطاغية مع ولديه وزمرته من نشب أظافر الجبروت في الجسد العراقي بصورة مخيفة ومروعة، وكان العجز الشعبي عن التغيير واضحا على مدار السنين والمحاولات، وبعض هذا العجز كان بتواطؤ قوى غربية مع نظام صدام ، بمن فيهم الولايات المتحدة، التي طالما تواطأت معه ضد شعبه وجيرانه، إن خلع صدام من أرض العراق هو حدث إيجابي كبير، يمكن للأمة وللشعب العراقي ـ لو عزمنا وأحسنا التصرف ـ أن نجعله بداية نهار جديد في العراق يعيده مركز إشعاع علمي وديني وثقافي وحضاري للأمة جميعا، وحتى إذا عجزنا على المستوى السياسي لسنوات مقبلة بفعل الاحتلال الأجنبي والهيمنة الأمريكية، إلا أن مساحات كبيرة من العمل الأهلي والتربوي والدعوي والثقافي والخيري، يمكن أن تغير وجه العراق، وتعيد بناءه إنسانيا من جديد، فهل نحن فاعلون؟ .

أيضا من إيجابيات هذا الحدث هو تحول الولايات المتحدة إلى"منبوذ"العالم الأكبر، على مستوى الشعوب وعلى مستوى الحكومات، ولقد أصبحت الولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها تواجه عزلة عالمية مذهلة، صحيح أن الإدارة اليمينية المتعصبة الآن تحاول تجاهلها، إلا أن هذا لا يغير ما يراه العالم كله، وهناك قناعة الآن بأن أمريكا تشكل خطرا على السلام العالمي، وتمثل إدارتها اليمينية المتطرفة الحالية كارثة على مستقبل الإنسانية كلها، وهذا مكسب مهم تتعدد أبعاده، وتتعدد السبل والوسائل والاتجاهات التي يمكن الإفادة منها لصالح قضايانا المصيرية .

معالم مستقبلية:

في استشراف معالم المستقبل ، يكون من الصعوبة بمكان وضع تصور محدد لها ، لأن الحالة ما زالت متحركة وغير واضحة المعالم ، ولكن هناك إشارات متعددة يمكن منها استخلاص بعض هذه المعالم التي هي في طور التشكل ، الإشارة الأولى: هي بداية ظهور ما يمكن تسميته بالمستنقع العراقي الذي ستتورط فيه الحكومة الأمريكية ، وذلك من خلال عمليات عسكرية متقطعة تمثل حرب استنزاف ، اعترفت بها القيادة العسكرية لقوات الاحتلال ، وسط العديد من القتلى والجرحى على مدار الأيام التي أعقبت إعلان انتهاء المواجهات العسكرية الكبرى ، وهذا التطور من شأنه أن يبلور مع الوقت نواة لحركة مقاومة عراقية منظمة ستحيل الوجود الأمريكي هناك إلى جحيم لا يطاق ، وربما كان في الطلب المفاجئ الذي وجهته الإدارة الأمريكية إلى أكثر من ستين دولة في العالم لإرسال قوات لحماية الأمن الداخلي في العراق مؤشر على استشعار الإدارة الأمريكية للصعوبات التي بدت بوادرها في العراق ، ومن أسف أن بعض الدول العربية أبدت استعدادها للمشاركة ؛ كقوات شرطة تحت القيادة الأمريكية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت