فهرس الكتاب

الصفحة 2216 من 27364

الذين يدعون الآن إلى فتح موضوع المادة الثانية من الدستور هم في الحقيقة يركبون موجة موجودة بالفعل حول ضرورة تغيير الدستور في مصر؛ لأن به مواد مقيدة للحريات أو لا تتلاءم مع العصر، وأن من الضروري إصدار دستور أكثر تسامحاً وأكثر احتراماً للحريات ..الخ، وهذا كلام صحيح يحظى باستجابة واسعة، ولكن الغريب أن يتم دس السم في العسل، بالمطالبة ـ أو حتى الكلام عن المادة الأولى والمادة الثانية من الدستور، المادة الأولى تنص على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، وهذه مادة من العبث الاقتراب منها، أما المادة الثانية فالمعركة تدور حولها، وهي تنص على أن"الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع"بدعوى أن فيها نوعاً من التمييز ضد غير المسلمين، مع أن الشريعة الإسلامية ذاتها تعطي الحق لغير المسلم للتحاكم إلى قانونه الخاص"في الأحوال الشخصية مثلاً كما هو معمول به في مصر"، إلا إذا طلب هو غير ذلك، وبدهي أن مطلب مرجعية الشريعة هو مطلب شعبي عام، لا تصل قضية أخرى إلى القدر الذي يتمتع به من التأييد، ومن ثم فإن الليبرالية والديمقراطية -إن كانوا كذلك حقاً- فإن عليهم احترام اختيار الشعب، فإذا كانت الشريعة واجب شرعي بالنسبة للمسلم ليست موضع مناقشة، فإنها -حتى بمقاييس الليبرالية- مطلب شعبي، وما دام الشعب في رأيهم مصدر السلطات فلماذا لا يحترمون تلك الرغبة الشعبية.

الدعوة حتى الآن تسير باستحياء، فقد طالب بها عدد من العلمانيين، ولمح إليها البابا شنودة بابا الأرثوذكس الذي طالما أعلن الصيام والاحتجاج من قبل كلما ظهر الحديث عن تطبيق تلك المادة من الدستور وتفعيلها، وصرح بها بابا الكاثوليك في مصر الأب يوحنا قلته. الذي طلب صراحة إلغاء تلك المادة، وما لم تكن هناك وقفة من علماء الأزهر، والقوى السياسية الإسلامية، والمفكرين والساسة الإسلاميين، ومن جماهير الشعب المصري لإظهار أن الكلام حول تلك المادة هو خط أحمر لا ينبغي الاقتراب منه؛ فإن من المتوقع أن تتسع الحملة؛ بل يمكن أن تنجح من خلال دسها في مسألة التغيير المطلوب للدستور المصري، أو وضع دستور يحقق مطالب الناس في التأسيس للتغيير السياسي لتأسيس نظام سياسي جديد يمنع الاستبداد ويسمح بالعمل السياسي الحر، والتداول السلمي للسلطة، وهذه مطالب شعبية يمكن أن يُدسّ داخلها تجاهل مرجعية الشريعة أو تغيير المادة الثانية من الدستور، مع الأخذ في الاعتبار أن النظام السياسي المصري ذاته يمكن أن يتجاوب مع هذه الخطة المريبة تحت ضغط القوى الخارجية كالولايات المتحدة الأمريكية أو الاتحاد الأوروبي، أو جماعات الضغط الدولية"أقباط المهجر ـ تجمعات الشواذ، التجمعات النسوية المريبة ...الخ".

وفي الحقيقة فإن منطق دعاة المرجعية الإسلامية منطقهم متماسك؛ فهو أولاً مطلب شعبي عام، وليس فيه تمييز؛ لأننا لو سألنا مثلاً المسيحيين المطالبين بإلغاء المادة الثانية من الدستور أو إلغاء مرجعية الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع هل يقبل هو ذاته أن يخضع للزواج المدني بعيداً عن الكنيسة أو أن يقيم علاقاته الأسرية والاجتماعية بمعزل عن الدين لرفض فوراً، فهل يعني ذلك أن تتخلى الأغلبية عن شريعتها فيكون ذلك ديمقراطياً، وتتمسك الأقلية بشريعتها الدينية في نفس الوقت.

وكذلك فإن الداعين إلى المرجعية الإسلامية هم دعاة استقلال وطني وتميز حضاري، وهو أمر مطلوب ومرغوب في ظل التحدي الصهيوني الأمريكي، ولعل دراسة تاريخ تسلل التشريع الأجنبي إلى مصر يؤكد هذه الحقيقة، فقد بدأ هذا التسلل مع النفوذ الاستعماري بدءاً من عام 1840 حين هُزم محمد علي، وأصبح للدول الأوروبية نفوذ في مصر ثم زحف الامتيازات الأجنبية والمحاكم المختلطة والأجنبية والقنصلية، ثم تسلل مدارس التعليم القانوني الأجنبي في عصر سعيد وإسماعيل، ثم مع الاحتلال الإنجليزي ثم الاحتكام تماماً إلى القانون الغربي وإزاحة القوانين الإسلامية تماماً، وهكذا فإنه تم استنبات التشريع الأجنبي في البيئة المصرية عملياً ونظرياً وتعليمياً بفعل الضغط والنفوذ الأوروبي وظلامته الأولى من الأفّاكين والمرابين والمقامرين والموردين، وما زالت المدارس العلمانية التي تطالب بإلغاء مرجعية الشريعة الإسلامية تحقق نفس الخطة لأسيادها الغربيين، وما زالت المرجعية الإسلامية هي مطلب حركة التحرر الوطني المصري منذ بدايتها وحتى الآن، بدءاً من الأفغاني والنديم ومصطفى كامل ومحمد فريد، وانتهاء بكل حركات المقاومة المصرية ضد إسرائيل وأمريكا والتغريب والصهيونية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت