".. أما درس الدين في مناهج دنلوب فلا يقل سوءاً إن لم يكن الأسوأ. فمدرس الدين هو نفسه مدرس اللغة العربية الذي وضعه دنلوب في ذلك الوضع المزري المهين ، ولكن يزيد عليه أن أكبر المدرسين سناً هو الذي يوكل إليه تدريس الدين .. وزيد على ذلك أن حصة الدين توضع في نهاية الجدول المدرسي .. فيتلقاها التلاميذ وهم في حالة الضجر والإعياء .. ينتظرون دق الجرس لينفلتوا إلى الشوارع والبيوت، ويتلقونه من مدرس عجوز فانٍ يسعل، ويتفل ويتحرك في تراخٍ ظاهر، فيقترن درس الدين في نفوسهم بالعجز والفناء والضجر والرغبة في الانفلات، فوق أنه درس ميت في طريقة تدريسه، فهو مجموعة من النصوص تُلقى لتُحفظ حفظاً وتُستظهر، بلا حركة ولا حياة ولا روح!"
".. ولكي تعلم أنها خطة مقصودة لتنفير التلاميذ من الدين، فلتعلم أن الدين في المدارس التبشيرية التي يؤمها التلاميذ المسلمون لا يقتصر على درس الدين المسيحي ( الذي تخصص له الساعات الأولى ويُحاط بالنشاط والفرح والبهجة) بل هو روح تُلقى إلى التلاميذ في كل مناسبة، في أثناء الدروس واللعب والوقوف في الصف والانصراف من المدرسة، ومن ثم يكون ذا أثر عميق في نفوس التلاميذ، ولا يكون درس الدين المتخصص رقعة في الثوب متنافرة معه، وغير متناسقة (كما هو الحال مع الدين الإسلامي) بل قطعة طبيعية مع نسيج الثوب متناسقة معه ومزينة له."
"وزيادة في النكاية لدرس الدين (الإسلامي) فقد وضعه المنهج الدنلوبي ضمن المواد الإضافية التي تُحذف في جدول الصيف المختصر الذي يقتصر على المواد الرئيسية، فيُحذَف منه الدين والرسم والأشغال اليدوية والألعاب الرياضية، وهكذا يصبح في حس التلاميذ مادة هامشية ليس لها اعتبار".
في محاضرة عن"قيمة التاريخ"ألقيتها في الموصل قبل عدة سنوات أشرت إلى ما يمكن اعتباره إحساساً بالنقص"مركب نقص"يعاني منه طلبة أقسام التاريخ تجاه الفروع المعرفية الأخرى: إنسانية وصرفة وتطبيقية، بينما نجد هؤلاء الطلبة في جامعات العالم المتقدم يتمتعون بأعلى وتائر الثقة والطموح والاعتقاد بأنهم يمضون للتخصص في واحد من أكثر فروع المعرفة الإنسانية أهمية وفاعلية، ونحن نعرف جيداً كيف أن العديد من قادة الغرب وساسته ومفكريه والمهيمنين على مفاصل الحياة الحساسة فيه هم من خريجي التاريخ.
الحالة نفسها تنطبق ـ بدرجة أو أخرى ـ على طلبة علوم الشريعة، بل إننا قد نجد بعضهم ينحدر باتجاه وضعية من الإحساس بالامتهان النفسي والاجتماعي لم يأذن بهما الله ورسوله لعلماء هذه الأمة ودارسي علومها الشرعية.
وقد يقتضي الأمر أن نقف لحظات عند مسألة (الزي) التي أُرغم طلبة العلوم الشرعية وخريجوها على البقاء تحت معطفه، في مساحات واسعة من عالمنا الإسلامي الفسيح.
والزي المتميز، إذا أردنا الحق، سلاح ذو حدين، قد يكون إيجابياً في حالة، وقد ينقلب إلى النقائض السلبية في حالة أخرى .. وفقهاؤنا زمن فاعليتهم ما كانوا يتميزون بلباس خاص، اللهم إلا بجزئيات متفرقة، قد تتعلق بالعمامة حيناً، وبالرداء حيناً آخر، ولكنهم في كل الأحوال ما كان يفصلهم عن مجتمعهم زي محدد بتفاصيله كافة، يجعلهم فئة متميزة بين الناس .. كانوا ملتحمين مع الحياة والناس في كل شيء، بما في ذلك تقاليد الملابس والأزياء، وهم ـ يومها ـ حتى لو تميزوا بهذه، فإن تميّزهم ما كان يحول بينهم وبين الاندماج في شبكة العلاقات الاجتماعية حيث تنمحي فواصل"التغريب"بينهم وبين سائر الناس.
أما في القرون الأخيرة فإن الفقيه، وقد أريد له أن ينسحب من الحياة، أن يبعد
أكثر فأكثر عن الالتحام الفعّال بالمجتمع، فإن تميزه على مستوى اللباس يصير رمزاً للعزلة والتغرب، فإذا ما انضاف إليه ضعف القدرة المالية على تحسينه وتجميله والاضطرار ـ بالتالي ـ للتعامل معه بعيداً عن المطالب الجمالية، كما هو الحال لدى علماء الطوائف الأخرى، أدركنا كيف يصير الزي ـ أحياناً ـ حلقة أخرى من حلقات اللعبة الماكرة التي أُريد لها أن تمضي بعلمائنا إلى هدفها المرسوم،÷ فتزيدهم دماراً نفسياً واجتماعياً وتفقدهم ـ بالتالي ـ أي قدر من الاحترام وأي قدرة جادة على التغيير أو تسلم مواقع قيادية فاعلة.