والسؤال الآن بعد هذا الاستعراض الموجز لمحاولات التغريب: ماذا كانت نتيجة محاولات القيادات القومية لتغريب بلادنا منذ الحرب العالمية الأولى؟ هل نجحت في ذلك؟ هل أصبحت قيم الغرب وعاداته وتقاليده ونظمه السياسية والاجتماعية والاقتصادية متجذرة في حياة الأمة وجزءاً من كيانها؟ لا لم تصبح بدليل الصحوة الإسلامية التي قامت في مختلف أنحاء العالم العربي من تركيا إلى سورية إلى الأردن إلى مصر إلى تونس إلى الجزائر الخ. . . والتي جاءت لتعلن إخفاق التيار القومي في تغريب الأمة، وقد استندت الصحوة الإسلامية في محاربتها محاولة التغريب تلك إلى الوحدة الثقافية التي تمثّلت في مفاهيم مستمدة من أحكام الحلال والحرام والواجب والمندوب المطروحة في كتب الشريعة الإسلامية، وظهرت في تقاليد وعادات وأعراف مستندة إلى سيرة الرسول (، وبانت في سلوكيات معتمدة على قيم الإسلام وأخلاقه وتوجيهاته، وتجلّت في أفكار مأخوذة من عقائد الإسلام ومبادئه، وقامت على أشواق وأذواق مرتبطة بحديث القرآن عن الجنة والنار... الخ
وقد شكل القرآن الكريم والسنة المشرفة أساس الوحدة الثقافية لأمتنا، فهما قد أعطيا المسلمين تصوراً واحداً عن الكون والحياة والإنسان، ورسما لهم أهدافاً واحدة تزاوج بين التطلع إلى الآخرة وإعمار الدنيا، وحدّدا لهم قيماً واحدة تقوم على التطهر والتزكي، وأوجبا عليهم واجبات واحدة تعود على الفرد والمجتمع بالخير في الدنيا قبل الآخرة، وأفعما قلوبهم بتعظيم الله ورجائه وحبّه مما أورثهم غنى نفسياً وامتلاءً معنوياً تجسد في أوقاف بلغت ثلث ثروة العالم الإسلامي، ووجّها عقولهم إلى التفكر والتدبر والأخذ بالتجريب والابتعاد عن الأوهام والظنون مما جعلهم يبتكرون مخترعات تغني الحياة البشرية في مختلف العلوم والمجالات: كالفيزياء والكيمياء والميكانيكا والرياضيات والطب والفلك والصيدلة... الخ
لقد شكلت الوحدة الثقافية التي استندت إليها الصحوة الإسلامية في إفشالها التغريب أبرز مظهر من مظاهر الأمة الواحدة في وقتنا الحاضر بعد أن نجح أعداء الأمة في تمزيق مظاهر الوحدة الأخرى: السياسي والاقتصادي منها، وقد تبين أنّ هذه الوحدة الثقافية أقوى وأعصى على التذويب والتغييب والتفتيت مما يتصورون.
لقد جاءت الصحوة الإسلامية تعبيراً عن رفض الأمة للتغريب من جهة، وقامت استناداً على الوحدة الثقافية للأمة من جهة ثانية.