ازدادت هذه القضية زخماًَ، وصعد شأنها بعد أحداث سبتمبر الشهيرة، وذلك من خلال الربط الأمريكي بين المناهج التعليمية المقررة في عدد من الدول الإسلامية -وبالأخص السعودية- وبين ما تسميه الولايات المتحدة إرهاباً.
لقد رأى هؤلاء وأعوانهم من المتأمركين المنهزمين فرصة سانحة في هذه الظروف لإجراء عمليات تغيير واسعة في المنطقة خاصة في أمر المناهج.
قال المنصِّر المشهور (تكلي) :"يجب أن نشجع إنشاء المدارس على النمط الغربي العلماني، لأن كثيراً من المسلمين قد تزعزع اعتقادهم بالإسلام والقرآن حينما درسوا الكتب المدرسية الغربية، وتعلموا اللغات الأجنبية".
وقديماً قال زعيم المنصِّرين (زويمر) مهنئاً تلامذته المنصرين:"لقد قبضنا في هذه الحقبة من ثلث القرن التاسع عشر على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، وإنكم أعددتم نشئاً في ديار الإسلام لا يعرف الصلة بالله، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده الاستعمار المسيحي، لا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا يعرف هِمّة في دنياه إلا في الشهوات؛ فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، إنه يجود بكل شيء للوصول إلى الشهوات" [انظر:"مخطط تدمير الإسلام"لنبيل المحيش، وأيضاً"قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله"لجلال العالم] .
هذا ما يريده هؤلاء لأجيالنا الإسلامية، وهم المستهدفون المعنيون بكل هذه المشاريع المرسومة والخطط المدروسة منذ أمد بعيد.
أيها الأحبة في الله:
إن الباعث لأمركة المناهج والداعي لغربلتها كما يريد أسياد أمريكا هو أنها أذنبت وأجرمت جرماً واحداً، إنه (جرم تدريس الإسلام، وتعليم القرآن وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -) .
إن جريرة المناهج في بلادنا عند الأسياد والأذناب، أنها تعلم عقيدة الولاء والبراء التي جاء بها القرآن العزيز، وتغرس بغض الكافرين وحب المؤمنين.
هذه المناهج، بهذا البناء والغراس، هي التي فرخت الإرهاب كما يقوله هؤلاء، وهي التي ولدت العنف وبثت التطرف وأنشأت الغلو كما يقول أولئك.
أما المناهج الإسرائيلية المتشددة التي يتربى عليها أبناء يهود؛ فهذه لا تزداد مع الأيام إلا قوة، ولا مع الصراعات إلا تماسكاً وثباتاً وتطوراً إلى الأشد؛ لأنها لا تولد إرهاباً ولا عنفاً عند القوم.
جاء في أول كتاب"حول أدبيات التعليم والثقافة العبرية"للبروفسور أوميركوهين -أستاذ التربية في جامعة حيفا- موضوعاً بعنوان"وجوه قبيحة"يركز فيه مؤلفه على مسألة الصراع العربي الإسرائيلي في أدب الناشئة، واعترف فيه أنه حتى نهاية عام 1984م لم تتغير النظرة المشوهة إزاء الإنسان العربي؛ فالنظرة عدائية، ولم تحل محلها نظرة احترام أو قيم"."
وقد تأثر الأدب الصهيوني الطفولي بالفكر الصهيوني العنصري القائم على القومية العرقية، والموغل في الاستعلاء المغلف بمفاهيم وتعاليم توراتية وتلمودية.
وقد شرعت القيادة الصيهونية بتسخير أحلامها وتجنيد طاقاتها الفكرية لصياغة أدب جديد يلائم المرحلة القادمة ويرتكز على جانبين:
1)الجانب الاستعلائي العرقي.
2)الجانب الاستيطاني الاستعماري.
فأما الجانب الأول؛ فيعتبر الأدباء فيه أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وشعبها ليست له هوية، وأن سكانها بدو متوحشون، احتلوا البلاد وخربوها؛ لذا يجب أن يعودوا إلى الصحراء، وأن يستولي اليهود على الأرض، لذا فالحرب قائمة بين العرب واليهود إلى أن يتم طرد العرب الذين صوروا بأقبح الصور، على أنهم قطاع طرق قذرون، ثيابهم رثة، ويمشون وهم حفاة على الأقدام.
أما الجانب الثاني الاستيطاني الاستعماري؛ فينظر فيه إلى العرب والمسلمين على أنهم أشجار بلا جذور يتحتم اقتلاعها عاجلاً أو آجلاً، وأنهم عصابات سرعان ما يهربون من الأرض، وهذا عندهم دليل على عدم الانتماء إلى الأرض التي يعيشون فيها، لذا فإنهم مجرد لصوص يسرقون المياه من أرض الأمة العبرانية.
وهناك العديد من القصص التي أُلفت للأطفال اليهود، هدفُها غسيل أذهان أطفال اليهود، وتصوير المسلم والعربي بأنه قاتل مخادع، وبأن الجندي اليهودي مسالم لا يحب الدم والقتل، وإنما دفعه لذلك المسلم المتعطش للدماء والقتل. كما يُصورون المسلم للطفل اليهودي بأنه يمارس تجارة الجنس التي تنتهي عند التهريب والتخريب وخطف الطائرات. [انظر"مناهج التعليم الإسرائيلية والصراع العربي الإسرائيلي"، إعداد مركز دراسات الشرق الأوسط، الأردن، ومجلة البيان 190 جمادى الآخرة 1424 هـ] .
هكذا يربون ناشئتهم في ظل هذه الظروف الحرجة، والصراعات الحادة، ونحن نتوارى بديننا من القوم، ونستحي من بيان عقيدتنا؛ بل نحرفها أو نحذفها لإرضاء القوم.
مصاب جلل أن يخجل بعض قومنا من عقيدة الولاء والبراء التي جاء بها كتاب ربنا وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم -. إننا حين نستجيب لمطالب القوم، ونرضخ لهم بما يريدون بسبب قوة مطرقتهم، نصدق التهمة ضدنا بأن عقيدتنا تفرخ الإرهاب، وسيظلون يتهمون ونحن نغير حتى لا يبقى لنا من ديننا شيء (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) .