ولقد سبق أن علّقتُ على قصة أم سلمة وقصة بلقيس . ولكنَّ هذا العرض الذي تفضل به فضيلة الدكتور القرضاوي يفرض علينا سؤالاً يلحّ علينا ، ذلك السؤال: لماذا نلتقط حادثة فريدة من هنا لم تتكرر ، وحادثة أخرى كذلك لم تتكرر ، حوادث لا تمثّل قاعدة عامة في الإسلام ، وبعضها أو كلها كانت في ظروف خاصة تتقيّد الحادثة بها ، لماذا نلتقط هذه الحوادث ونضع بناء عليها قانوناً عاماً لم يرد في الكتاب ولا السنّة ، ولا في التطبيق في عصر النبوة الخاتمة والخلفاء الراشدين ، العصرين اللذين أُمرِنا أن نتبعهما ، كما جاء في الحديث الشريف الذي يرويه العرباض بن سارية:"... عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ..."
وأتساءل عن السبب الذي يدعو فضيلته إلى الحرص على إدخال المرأة المجالس النيابية العصرية ! لقد أصبح لدينا تجربة غنيّة في المجالس النيابية تزيد عن القرن ، فلننظر ماذا قدّمت للأمة المسلمة ، هل ساعدت على جمعها أم على تمزيقها ، وهل ساهمت في نصر أم ساهمت في هزائم ، وهل هذه المجالس التي نريد أن نقحم المرأة المسلمة فيها هي صناعة الإسلام وبناؤه ، أم أنها مثل أمور أخرى غيرها استوردناها من الغرب مع الحداثة والشعر المتفلّت المنثور وغيره من بضاعة الديمقراطية والعلمانية ؟!
وبصورة عامة ، فإنّ هذا الموضوع: مساواة المرأة بالرجل كما يقول بعضهم:"لقد قرّر الإسلام مساواة المرأة بالرجل"! هكذا في تعميم شامل ، شاع هذا الشعار في العالم الإسلامي ، وأصبح له جنود ودعاة ودول تدعو إِليه . وكذلك: مساواة المرأة بالرجل في ممارسة الحقوق السياسية"، هذا كله موضوع طرق حديثاً مع تسلل الأفكار الغربية إلى المجتمعات الإسلامية ، مع تسلل الديمقراطية والعلمانية ، كما تسلّلت قبل ذلك الاشتراكية ."
هنالك عوامل كثيرة يجب أن تدرس وتراعى عند دراسة نزول المرأة إلى ميدان العمل السياسي الذي يفرض الاختلاط في أجواء قد لا يحكمها الإسلام من ناحية ، ولا تحكمها طبيعة العمل نفسه . والاختلاط مهما وضعنا له من ضوابط ، فقد أثبتت التجربة الطويلة في الغرب وفي الشرق إِلى انفلات الأمور وإلى التورط في علاقات غير كريمة .
وكذلك فنحن لسنا بحاجة لنزول المرأة إلى الميادين ، ففي الرجال عندنا فائض ، والرجال بحاجة إلى أن تدرس حقوقهم السياسية التي منحهم إياها الإسلام .
إن نزول المرأة إلى الميدان السياسي ذو مزالق خطيرة ، فعندما يُطلق هذا ويباح ، فهل معظم النساء اللواتي سيمارسن هذا العمل نساء ملتزمات بقواعد الإِسلام و بالحجاب و باللباس عامة .
إن إطلاق هذا الأمر ونحن لم نَبْنِ الرجل ولا المرأة ، والتفلّت في مجتمعاتنا واضح جليّ ومتزايد ، دون أن ينفى هذا وجود بعض النساء الملتزمات ، إن إطلاق هذا الأمر قد يقود إلى فتنة يصعب السيطرة عليها .
أولى من ذلك: علِّموا الرجل دينه ليؤمن به ويلتزمه ، وعلموا المرأة دينها لتؤمن به وتلتزمه ، فسيعرف الرجل المسلم الملتزم حدوده وميادينه ، وستعرف المرأة المسلمة الملتزمة حدودها وميادينها ، ويستغنون عندئذ عن كثير من الفتاوى .
وإني لأتساءل: لأيّ مجتمع تصدر هذه الفتوى ؟ ! ، لأيّ رجل وأي امرأة ؟! هل المجالس النيابية الحاليّة تصلح ميداناً للمرأة المسلمة لتمارس النشاط السياسي . أين هو المجتمع الذي يطبّق شرع الله كاملاً ، ليطلق فيه مثل هذه الأمور ، وهل هذه المجالس مجالس يسودها شرع الله .
وميادين العمل المباح للنساء واسعة جداً وكافية لهن ، وكلها منضبطة بقواعد الإسلام مثل المدرسات والطبيبات ، وكل عمل ليس فيه باب من أبواب الفتنة أو الاختلاط ، مع توافر جميع الشروط الشرعية الأخرى عند مزاولة هذه الأنشطة .
لا بدّ من الاستفادة مما حلَّ بأقوام آخرين حين انطلقت المرأة في المجتمع في هذا الميدان أو ذاك . وإذا نزلت ميدان السياسة فما الذي يمنعها أن تنزل إلى المصانع وسائر الميادين الأخرى ، كما نراها في العالم الغربي .
وأخيراً أقول ..: قبل أن نطلق هذه الآراء اليوم ، فلنبن الرجل ولنبن المرأة ولنبن المجتمع المسلم الملتزم بالكتاب والسنة حيث تكون كلمة الله هي العليا . هذا المجتمع سيكون أقدر على تحديد دور الرجل والمرأة .
وكذلك أتساءل لماذا هذه الضجّة الكبيرة عن المرأة وحقوقها ، ألا تنظرون إلى الرجل وحقوقه . في عالمنا اليوم فقد كثير من الرجال حقوقهم ، فلماذا تكون الضجّة على حقوق المرأة وحدها ، ففي ذلك ظلم للمرأة وللرجل .
والإسلام في نهجه جعل الحقوق والواجبات متوازنة في الحياة كلها من خلال منهاج رباني أصدق من سائر المناهج وأوفى وأعدل .
فلنبنِ الأمة ، فلنبنِ الرجل والمرأة والبيت المسلم والمجتمع المسلم الملتزم ، ولنبنِ الأمة المسلمة الواحدة .
والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ..