فهذه فتاوى لعلماء متقدمين ومشايخ معاصرين صريحة في رد هذه الشبهة وهذه الفتاوى موافقة لصحيح المنقول وصريح المعقول ولا يعرف عن أحد من العلماء المتقدمين أو المعاصرين اعتراض ولهذا حكى بعض العلماء (الإجماع والاتفاق) على تحريم اتخاذ التماثيل ولو لم تعبد بل التحريم منصب على ذاتها فمن ذلك:
1 ـ العالم أبو بكر بن العربي المالكي حيث قال: (وحاصل ما في(اتخاذ) الصور أنها إذا كانت ذوات أجسام فحرام (بالإجماع) (7) .
2 ـ العلامة النووي الشافعي: قال: (ذهب السلف أن الممنوع ما كان له ظل) . ثم قال في رده على الحنابلة في قولهم: (إن ما لم يكن له ظل فلا بأس باتخاذه) . قال: وهذا المذهب باطل، فإن الستر الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم كانت الصورة فيه بلا ظل بغير شك ومع ذلك أمر بنزعه) (8) .
يلاحظ أن النووي يرى إزالة الصورة التي ليس لها ظل وأنه يحرم اتخاذها كما يحرم اتخاذ التماثيل ولا فرق.
3 ـ العلامة الطاهر بن عاشور المالكي: حيث قال: (اتفق الفقهاء على تحريم اتخاذ ما له ظل من تماثيل ذوات الأرواح) (9) .
4 ـ الشيخ عبد القادر أحمد عطا: قال: (أما اتخاذ التماثيل ـ المجسمة ـ فهي كبيرة من الكبائر بالإجماع) (10) .
الوجه السابع: إن من القواعد الشرعية المتفق عليها قاعدة (سد الذرائع) الموصلة للشرك.
فمن الجناية على الشريعة أن يقال: إنها حرمت تعليق التميمة؛ لأنها تفضي إلى الشرك ولم تحرم نصب الأصنام والتماثيل التي أفضت بالتجربة إلى الشرك ودل التاريخ الإنساني على أنها عبدت مرة أخرى كما في قصة قوم نوح وما كان من العرب قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وما كان من أهل الجزيرة العربية قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بل إن الشارع حرم وسائل أقل خطرًا على المسلم وأخف ضررًا عليه ولا تفضي إلى الشرك فقد قال سبحانه وتعالى: « وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا» فنهى عن القرب من الوسائل التي تجر إلى الزنا، وكذلك حديث: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما» فالشارع لم ينه عن الزنا فقط، بل نهى عنه وعن أسبابه والوسائل المفضية إليه. ولما حرم الله الخمر سكب الصحابة رضي الله عنهم جميع ما عندهم في الأسواق ولم يبقوها بين أيديهم وأمام أعينهم. فغريب أن ينهى أب أبناءه عن شرب الخمر ويتركها بين أيديهم وأمام نظرهم بحجة أنها الآن لا تشرب. ولهذا قال الطاهر بن عاشور المالكي رحمه الله: (إن قصد كثير من العلماء في قولهم بنجاسة الخمر الحسية تقريرًا لكراهيتها في النفوس والبعد عنها) .
وقال ابن عقيل الحنبلي: (ريح الخمر كصوت الملاهي، حتى إذا شم ريحها، فاستدام شمها كان بمثابة من سمع صوت الملاهي وأصغى إليها، ويجب سد المنخرين والإسراع كوجوب سد الأذنين عند الاستماع) .
وقصد في ذلك البعد عن الخمر ومكان وجودها خشية الوقوع في شربها. يقول الشيخ محمد أبو زهرة المصري: (... وأخيرًا فإن سد الذرائع المؤدية إلى الشر توجب وضع العقوبات الزاجرة لمن يشرب الخمر, لأن رؤية المسلم غيره يشرب الخمر يغريه بها، فكان سدًّا للذريعة أن يعمم العقاب على كل من يشربها. وإذا رجعنا إلى كتب التاريخ، نجد أن المسلمين لما اختلطوا بغيرهم، وأبيح لغير المسلمين أن يشربوا، وقامت الحانات كان ذلك إغراء للشباب المسلم بالشرب، فشرب غير متحرج ولا آثم, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) (11) .
بل إن هناك من العلماء من حرم التشبه بمتعاطي الخمر؛ لأن التشبه في الظاهر دليل على الرغبة في الباطن، قال الشيخ أحمد الشرباصي: (إن الطيور على أشكالها تقع, وبهذا نستطيع أن نحكم على أن شرب الشيء المباح بصورة شرب الشيء المحرم أمر لا يليق بالمسلم أن يأتيه, وتعجبني هنا عبارة للعلامة الغزالي ـ المتقدم ـ يقول فيها: (لو اجتمع جماعة وزينوا مجلسًا، وأحضروا آلات الشرب وأقداحه وصبوا فيها شرابًا(يحل تناوله) ونصبوا ساقيًا يدور عليهم ويسقيهم، فيأخذون من الساقي ويشربون، ويحيي بعضهم بعضًا بكلماتهم المعتادة بينهم حرم ذلك عليهم، وإن كان المشروب مباحًا في نفسه، لأن في هذا تشبهًا بأهل الفساد) (12) .
ومما يدل على ذلك حديث «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار فيها الخمر» (13) . فإذا كان هذا التشديد في وسيلة تفضي إلى أمر محرم لا يتجاوز ذلك فالتشديد في الوسيلة المفضية إلى الشرك بالله من باب أولى وأليق بالشرع وأحكم.
الوجه الثامن: وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب «أن لا تدع وثنًا إلا كسرته, ولا صورة إلا طمستها, ولا قبرًا إلا سويته» ، فلما تساهل المسلمون في بناء الأضرحة والقباب على القبور ولم يعملوا بهذا الحديث, ولم يأتمروا بأمر الرسول كانت النتيجة أن جاء من يعبدها, وجاء من يعظمها ويتوسل بأصحابها ويستغيث بهم ويذبح لهم؛ فوقع الشرك الذي خشيه الرسول صلى الله عليه وسلم, وكان مشفقًا على أمته منه، وكان حريصًا على قطع دابره.
ولا يشك عاقل في هذا العصر بوجود الشرك عند القبور وسببه هو:عدم العمل بهذا الحديث وترك الائتمار بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم تفعيل مبدأ (سد الذرائع) المفضية إلى الشرك. وأكبر سبب لترك العمل بمضمون هذا الحديث هو الاعتقاد السائد في عصر من العصور بأن تسوية القبور وكسر الأوثان وهدم الأصنام حكم خاص ببداية الإسلام, أما بعد ذلك فلا يعمل به؛ لأن الإسلام انتشر فلا يتوقع أن يرجع الشرك في الناس, ولا يتصور أن يصرف شخص عبادة لغير الله, فكانت نتيجة هذا الاعتقاد المعارض لاعتقاد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته ومن سار على نهجهم أن صرفت العبادة لغير الله، وكان أثر هذا الظن المخالف لظن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته في ترك الأوثان وعدم كسرها وعدم تسوية القبور في الأرض أن وقع الشرك فهذه تجربة قوية وبرهان واضح ودليل جلي على خطأ هذا الفهم تجاه حديث: «أن لا تدع وثنًا إلا كسرته، ولا صورة إلا طمستها، ولا قبرًا إلا سويته» .
أما بالنسبة لأصنام بوذا في أفغانستان، فقد صرح رئيس المحكمة العليا في حكومة طالبان: (14) (بأنه ثبت يقينًا أن هناك بعض الأجانب يأتون إلى تلك الأصنام لكي يتعبدوا عندها، ويسجدون لها، وأن لديهم شهودًا على هذا الواقع) (15) .
الحجة الأخرى لمن يرى ترك التماثيل والأصنام في هذا الزمن: أن الصحابة رضي الله عنهم دخلوا مصر زمن عمر بن الخطاب ولا يعرف عنهم هدم الأصنام وتكسير الأوثان الفرعونية.
الجواب على هذه الشبهة:
أولاً: لا يعارض صريح القرآن وظاهر السنة بعمل صحابي ولو كان أبو بكر أو عمر رضي الله عنهما، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما للصحابة عندما اعترضوا عليه بقول أبي بكر وعمر قال: (توشك أن تقع عليكم حجارة من السماء، أقول قال الله وقال الرسول، وتقولون قال أبو بكر وعمر) .
ثانيًا: أن هذا الكلام من الناحية التاريخية فيه عدة أخطاء وملاحظات وهي كالتالي:
1 ـ لم يثبت من الناحية التاريخية أن الصحابة رضي الله عنهم تركوا هدم هذه التماثيل وليس هناك دليل على الترك، فالأصل أنهم مؤتمرون بأمر الله وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم في كسر الأوثان وهدم الأصنام هذا هو الأصل فيهم، ومما يدل على أن هذا الأصل فيهم وصية كبار الصحابة لأتباعهم بذلك كما في وصية علي بن أبي طالب لأبي الهياج الأسدي، فهذا هو الأصل والناقل عنه يحتاج إلى دليل.
2 ـ أن هذه التماثيل الفرعونية الموجودة الآن بمراجعة ما كتب عنها وما كتب عن تاريخ اكتشافها يتبين أنها لم تكن موجودة في وقتهم قطعًا بل إن تسعة وتسعين بالمائة منها لم يعثر عليه ولم يكتشف إلا على أيدي الرحالة الغربيين وفرق التنقيب والاستكشافات منذ قرنين فقط؛ يتضح هذا بمراجعة كتب الآثار الفرعونية وكتب تاريخ مصر القديم فعلى كل تمثال تاريخ استكشافه. وهذا واضح جدًّا جدًّا.
ولهذا لما سئل المؤرخ الزركلي: هل رأى الصحابة الأهرامات وأبا الهول عندما دخلوا مصر قال: (كان أكثرها مغمورًا بالرمال ولا سيما أبا الهول) .
أما النسبة المتبقية من التسعة والتسعين بالمائة لا نستطيع الجزم بنفيه نفيًا قاطعًا وهو وجود رأس أبو الهول فهناك احتمال أنه كان ظاهرًا زمن الفتح الإسلامي؛ فممن ذكره المؤرخ التجيبي السبتي المتوفى سنة (730هـ) في كتابه (مستفاد الرحلة والاغتراب) فقد قال تحت عنوان «أبو الهول» : (وبمقربة من هذه الأهرام الثلاثة رأس صورة من حجر جعله هائل المنظر على صورة رأس الإنسان، غير أنه غاية في الكبر قد قام كالصومعة العظيمة...) (16) .
وممن ذكره من المؤرخين ابن فضل العمري المتوفى سنة (749هـ) في كتابه (مسالك الأبصار) قال: (أما أبو الهول فهو صنم بقرب الهرم الكبير في وهدة منخفضة وعنقه أشبه برأس راهب حبشي) (17) .
وممن ذكره كذلك المؤرخ المقريزي المتوفى سنة (845 هـ) (18) .