ويرفض الترابي قياس الفقهاء والأصوليين المعروف والمنضبط بضوابط وشروط دقيقة ، لأن تلك الضوابط والشروط _ في نظره _ قيود وضعها مناطقه الإغريق ثم اقتبسها الفقهاء عنهم ، ويدعو إلى قياس فطرى حر _ على حد تعبيره _ ، فنراه يقول تحت عنوان ( نحو أصول واسعة لفقه اجتهادي ) :"يلزمنا أن نطور طرائق الفقه الاجتهادي التي يتسع فيها النظر بناء على النص المحدود ، وإنما لجأنا للقياس لتعدية النصوص وتوسيع مداها فما ينبغي أن يكون ذلك هو القياس بمعاييره التقليدية ، فالقياس التقليدي أغلبه لا يستوعب حاجاتنا بما غشيه من التضييق انفعالاً بمعايير المنطق الصوري التي وردت على المسلمين مع الغزو الثقافي الأول الذي تأثر به المسلمون تأثراُ لا يضارعه إلا تأثرنا اليوم بأنماط الفكر الحديث"، ويقول أيضاً تحت عنوان ( القياس المحدود ) :"القياس _ كما أوردنا تعريفاته وضوابطه الضيقة في أدبنا الأصولي _ لا بد فيه من نظر حتى نكيفه ونجعله من أدوات نهضتنا الفقهية ،وعبارة القياس واسعة جدا ؛ تشمل معنى الاعتبار العفوي بالسابقة ، وتشمل المعنى الفني الذي تواضع عليه الفقهاء من تعدية حكم أصل إلى فرع بجامع العلة المنضبطة إلى آخر ما يشترطون في الأصل والفرع ومناط الحكم ، وهذا النمط المتحفظ من القياس يقتصر على قياس حادثة محدودة على سابقة محدودة معينة ثبت فيها حكم بنص شرعي فيضيفون الحكم إلى الحادثة المستجدة ، ومثل هذا القياس المحدود ربما يصلح استكمالاً للأصول التفسيرية في تبين الأحكام والآداب والشعائر ، ولكن المجالات الواسعة من الدين لا يكاد يجدي فيها إلا القياس الفطري الحر من تلك الشرائط المعقدة التي وضعها له مناطقه الإغريق ، واقتبسها الفقهاء الذين عاشوا مرحلة ولع الفقه بالتعقيد الفني وولع الفقهاء بالضبط في الأحكام"
وينحى الترابي في تجديد"الإجماع"منحى لم يقل به أحد من قبل ، ولم يخطر ببال عالم من علماء المسلمين القدامى أو المعاصرين ، حيث يصور"الإجماع"بصورة الاستفتاء أو التصويت من قبل عامة الناس على أمر من الأمور ، وذلك على غرار ما تطرحه الدولة في الأنظمة الغربية على الناس من مسائل لأخذ آرائهم فيها ، فنراه يقول بعد تأكيده على ضرورة الاتفاق على مناهج أصولية موحدة:"وتعود تلك المناهج الموحدة إلى مبدأ الشورى الذي يجمع أطراف الخلاف ، ومبدأ الإجماع الذي يمثل سلطان جماعة المسلمين ، والذي يحسم الأمر بعد أن تجري دورة الشورى فيُعمد إلى أحد وجوه الرأي في المسألة فيعتمده ، إذ يجتمع عليه السواد الأعظم من المسلمين ، ويصبح صادراً عن إرادة الجماعة وحكماً لازماً ينزل عليه كل المسلمين ، ويسلمون له في مجال التنفيذ ولو اختلفوا على صحته النسبية"ويقول أيضاً:"يمكن أن نرد إلى الجماعة المسلمة حقها الذي كان قد باشره عنها ممثلوها الفقهاء ، وهو سلطة الإجماع ، ويمكن بذلك أن تتغير أصول الفقه والأحكام ، ويصبح إجماع الأمة المسلمة أو الشعب المسلم ، وتصبح أوامر الحكام كذلك أصلين من أصول الأحكام في الإسلام"ويقول كذلك:"يمكن أن نحتكم إلى الرأي العام المسلم ونطمئن على سلامة فطرة المسلمين حتى ولو كانوا جهالاً في أن يضبطوا مدي الاختلاف ومجال التفرق"!!
ولم يقتصر الترابي في دعوته إلى التجديد على التشريع فقط ، بل تعداه إلى مجال الاعتقاد ، حيث يرى أن قضايا الاعتقاد مسائل فكرية ، وأن الفكر يتغير بتغير الزمان والمكان ، فالعقيدة إذن متجددة ومتغيرة ، وعلى المسلمين أن يختاروا ما يناسبهم من المناهج بحسب الظروف والملابسات التي يعيشونها ، فنراه يقول:"ولما كان الفكر الإسلامي في كل قرن فكراً مرتبطاً بالظروف القائمة فلا نصيب من خلود بعدها إلا تراثاً وعبرة ، سواء في ذلك فقه العقيدة أو فقه الشريعة"ويؤكد ذلك ما يروى عنه أنه قال في محاضرة ألقاها بجامعة الخرطوم بعنوان ( تحكيم الشريعة ) :"إنه في إطار الدولة الواحدة والعهد الواحد يجوز للمسلم _ كما يجوز للمسيحي _ أن يبدل دينه"!!
2 -رد الدكتور محمد رشاد خليل:
كتب الدكتور محمد رشاد خليل ثلاث مقالات في مجلة المجتمع ( العدد: 587 - 588 - 589 ) للرد على نظرية الترابي في التطور ، وقد تطرق فيها إلى نشوء هذه النظرية عند الغربيين ، وأسباب ذلك .. إلا أنه لم يكمل مقالاته تلك بعرض أقوال الترابي والرد المباشر عليه . وقد انتقيت منها الآتي: يقول الدكتور رشاد:
( قرأت مقال د. حسن الترابي في العدد 573 من المجتمع فشعرت بقلق ، وأردت أن أعرف المزيد عن فكره فجاءني بعض الأخوة ببعض كتاباته ومحاضراته زادتني معرفة بفكره ، وزادتني قلقاً: وفكرت في الرد ثم تريثت لعل الله يكفيني ذلك ، ثم خرجت علينا المجتمع في عددها رقم 584 بلقاء معه مصحوباً بدعوة للمناقشة والحوار ، فرأيت أن المواجهة قد وجبت .