الثاني: روى محمد بن سويد الطحان، قال: كنا عند عاصم بن علي (الحافظ المحدث) ، ومعنا أبو عبيد وإبراهيم بن أبي الليث وجماعة، وأحمد بن حنبل يضرب، فجعل عاصم يقول: ألا رجل يقوم معي فنأتي هذا الرجل فنكلمه (أي: المعتصم) ، قال: فما يجيبه أحد، ثم قال ابن أبي الليث: أنا أقوم معك. قال: وجاء كتاب ابنتي عاصم من واسط، وفيه: يا أبانا إنه بلغنا أن هذا الرجل (المعتصم) أخذ أحمد بن حنبل فضربه على أن يقول: القرآن مخلوق، فاتق الله ولا تجبه، فو الله لئن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك أجبت" (1) ."
فبأمثال هؤلاء والله ملكنا الدنيا، شرقها وغربها.
وكلماتنا ستكون أكثر تركيزاً عن اللاتي تفرقت بهن السبل، وضللن طريقهن، وإلا فالأصل هن نساء العفاف والطهر، والشاذ غيرهن.
ثانياً: تساهل كثير من الناس وغفلتهم عما يجري داخل بيوتهم ومجتمعهم.
من الملاحظ -أيها الإخوة- أن كثيراً من الرجال والقائمين على البيوت فيهم الخير، وفيهم الطيبة والصلاح، ولكنهم يغفلون كثيراً وكثيراً عما يجري داخل بيوتهم، فكم لطمة خد، ولحظات إغماء من الرجال قد جاءت حسرة، ولات ساعة مندم.
ثالثاً: _وهو سبب رئيس_ ما يقوم به العلمانيون والمنافقون، والمستغربون تبعاً لأسيادهم من اليهود والنصارى، من تنفيذ مخططاتهم، وتغريب المرأة، وسلخها عن دينها.
أحبتي في الله:
إن الذي يجري في عالمنا الإسلامي أمر رهيب كما تحدث بذلك العلماء، وأخص منهم الأستاذ الجليل محمد قطب، في كتابه الرائع (واقعنا المعاصر) ، الذي بين فيه ما يخطط له اليهود والنصارى، وما ينفذ بأيدي العلمانيين والمنافقين والمستغربين (أمر مدهش) ، وكثير من أهل الخير والصلاح من دعاة وطلبة علم غافلون عما يجري، فضلاً عن العامة، ولهذا وصلت الحال في كثير من الدول الإسلامية إلى حال يندى لها الجبين.
رابعاً: هل الواقع الذي نعيشه في مجتمعنا ونراه صباح مساء من حال قضية المرأة هو الواقع الذي كان عليه سلفنا قبل مدة قصيرة ربما تقل (في بعضها) عن عشرين سنة؟
تساءلوا بعقل لا بعاطفة وأجيبوا على أنفسكم!! إن كل عاقل لبيب يعلم أن ذلك المجتمع في عمومه لا يمكن مقارنته، بل ولا تستساغ المقارنة مع مجتمعنا اليوم (2) .
إن ما يجري وما نراه أمر كما سأبينه بعد قليل، نخشى والله من عقوبة تعم الصالح والطالح، إلا أن يتداركنا الله برحمته. إن ما يجري وما يرى أمر خطير، كما سأبينه بعد قليل، أخشى أن يجر علينا عقوبة تعم الصالح والطالح، إلا أن يتداركنا الله برحمته.
خامساً: هذا المجتمع -وكل مجتمع قام على الدين ونور الرسالة- هو مجتمع طيب، من هذا البلد انبثق نور الهدى فاستنارت به الأرض بأسرها، فحملته بقية الأمة إلى شرق الأرض وغربها، (وفي تاريخ الأمة) فرسخ في قلوبنا (عقيدة) هي أنه كلما ضعفت علاقة المجتمع بالدين والشرع حل فيه الضعف والهوان والفقر، وكلما أعاد النظر مرة أخرى وزادت صلته بدينه وبعقيدته عاد لقوته، وهيمنته، وسيطرته، وبسط الرحمة على الأرض.
من أجل الحفاظ على مجتمعنا، هذا المجتمع الطيب المبارك، ومن أجل أن تعود بقية مجتمعات الأمة إلى الأصل الذي به منحنا الخيرية. أكتب محذراً هذا المجتمع ومذكراً لإخوتي في المجتمعات الأخرى حتى تتبين لهم سنة الله التي أدركتهم، ومنبهاً لهم أن هذا يصبح مثلاً لحالهم فيما مضى، فمن أدرك طريق الهبوط قد يستدل به على طريق الصعود.
وقبل أن أشرع في الموضوع أود أن أعرِّف التغريب؛ لئلا تضيق الأفهام عند لفظه فتظن أن البلاء من الغرب فقط.
التغريب
هو: مجموعة الأفكار والمفاهيم والممارسات المتلقاة من الكفار، والتي يقصد بها صرف الأمة المسلمة عن دينها.
واشتقاقها من الغرب لغالبية دورهم في هذا المجال، وإلا فالكفر ملة واحدة،
وأنبه -أخي القارئ- إلى أنني سأركز على قضية التغريب تركيزاً رئيساً، وأختصر في قضية العفاف لسببين:
السبب الأول: أن الأصل في مجتمعنا هو العفاف، وكل بيت من بيوتنا -والحمد لله- يدرك معنى العفاف وأبعاده، ولذلك سيكون تعرضي له من باب الاختصار والذكرى والتنبيه.
السبب الثاني: أن الطبيب يذكر لمريضه مواطن المرض، وليس بالضروري أن يذكر مواطن العافية، فإنه إذا شرح لمريضه بأنه مريض ووصف له العلاج، فإذا اقتنع المريض بمرضه ووجد العلاج عند الطبيب فذاك، وإن لم يجد فسيبحث عن العلاج عند غيره.
إخوتي:
مهمتي هنا أن أقنع الكثير ممن يقرأ هذه الأحرف أن المرض يدب في أوصال مجتمعنا، فإذا اقتنع وأدرك هؤلاء وأولئك هذه القضية سهل عليهم -بإذن الله- تلقي العلاج والبحث عنه. هذه مسألة أحببت أن تكون مدخلاً لموضوعنا، فأقول والله المستعان.
مظاهر التغريب
(1) - تاريخ بغداد 12/248، 249، وسير أعلام النبلاء 9/264.
(2) - انظر كتابنا مقومات السعادة الزوجية لبيان المعاملة الواجبة لمن قال فيهن قدوتنا r (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) .
ما هي مظاهر التغريب التي نراها تنخر في المجتمع المسلم ؟ إنها مظاهر عدة اختصرها وأوجزها فيما يلي:
أولاً: السفور