1_ الخلط بين العلم والمعرفة، وذلك أن العلم شيء والمعارف العلمية شيء آخر. العلم هو نشأة العلم بناءً على تصوّر علمي للعالم وليس مجموعة من المعارف يحملها جاهل بنشأتها. ولكننا لم نَعِ هذا الخلط لأن وجداننا القومي يرى أنه"رُبّ سامع أوعى من مُبَلّغ"مع أن ذلك في الاستفادة والاستعمال وليس في الإبداع. فلا مانع لدى العالِم أن يكون ناقلاً لآخر النظريات في علوم الذرة ثم يتبرّك بآل البيت، ويغيّر واقعه بالدعاء.
2_ تصوُّرُ أنّ التقدم هو استيراد آخر الاختراعات وإنجازات التكنولوجيا الحديثة وليس إبداع وسائل للسيطرة على الطبيعة حتى اضطرت الشعوب غير الأوروبية إلى انتظار"قطع الغيار"لوسائل لَم تُبدِعها. ولمّا كان مُعدّل النقل أكبر من معدل الاختراع تحوّلت مجتمعاتنا إلى مجتمعات استهلاكية صرفة لما ينتجه الغرب.
3_ القفز إلى النتائج دون المقدمات، وقطف الثمار بلا غَرس، فالإنجازات العلمية إنما أتت بعد تطور طويل للمنظور العلمي منذ عصر النهضة في القرن السادس عشر حتى عصر الاكتشافات العلمية في القرن الماضي، وتكنولوجيا هذا القرن. ولكن مجتمعاتنا تحاول أن تعيش في عصر النهضة وأن تقفز إلى عصر التكنولوجيا دون أن يحدث تطور طبيعي في منظورها العلمي أو في تصوّرها للعالم لأن التاريخ ومراحله ليس بُعداً في وجداننا القومي.
ب_مخاطر التغريب:
1_ التعلّم المستمر والتتلمذ على أيدي الغير إلى ما لا نهاية، والتهميش والترجمة لما نتعلّم يُرهَق الذهن ويضيع الوقت في الاستيعاب ويتحول الذهن إلى"مُلّقي العلم"وليس إلى"مُبدِع العلم"، ويصبح العلم كمّاً هائلاً بلا كيف، ويغلب على إنتاجنا طابع التجميع والعرض باسم العلم، ويصبح العالِم هو صاحب العلم الغزير، ويكون أفضل عالم هو العالم الموسوعي.
2_ لمّا كان معدّل الإنتاج الغربي أسرع بكثير من معدّل الترجمة، طالت فترة الترجمة والتجميع ولم نتحول بعد إلى التأليف والإبداع، مع أن فترة الترجمة الأولى لم تستغرق أكثر من مائة عام وهو القرن الثاني الهجري جاء بعدها التأليف في القرن الثالث عند الكندي مثلاً. ونحن قد بدأنا الترجمة في القرن الماضي منذ بعثات محمد علي وتحت إشراف الطهطاوي وما زلنا نشكو من نقص التراجم.
3_ تكوين مُرَكّب العظمة الحضاري لدى الشعوب الغربية وفي مقابلها مركّب النقص الحضاري لدى الشعوب غير الأوروبية ما دامت العلاقة أحادية الطرف، طرفٌ يُعطي وطرف يأخذ، طرف يبدع وطرف ينقل، وبمرور الأجيال، تتحول العادة إلى طَبعٍ، ويتحول الطَبعُ إلى سلوك طبيعي.
4_ ضياع قدرة العقل على التفكير وتحويله إلى وظيفة الذاكرة أي التذكُّرُ والاستيعاب. وبالتالي تَقُلُّ قدرات الذكاء، وتختفي محاولات الإبداع وينتقل ذلك الموقف الحضاري العام إلى نمط في الحياة الثقافية في التعليم في المدارس والجامعات حتى في معاهد البحث العلمي.
5_ خلق طبقة من المتخصّصين لنشر العلم والقيام بأعمال الترجمة لمراكز الثقافة الممثّلة للدول الغربية، وتوجيه الرأي العام لدى الشعوب بنوع المعلومات المترجمة ومعظمها عن مآثر النهضة الأوروبية ومميزات المدنية الحديثة حتى يتحوّل الوعي القومي من الذات إلى الغير فتتكسّب هذه الطبقة، وتحوّل العلم من رسالة إلى منفعة شخصية أو إلى وجاهة إجتماعية وسط شعوب في حاجة إلى التعلم والمعرفة.
6_ ويزيد وَلاءُ هذه الطبقة للغير إلى حدّ يَقربُ من الخيانة الوطنية إذا ما أصبحوا أدوات للغزو الثقافي الأجنبي، ورُسُلاً للاستعمار الثقافي وهم على وعي بدورهم، فيجرفهم في النهاية أقرب تيار للثقافة الوطنية.
المصدر: دراسات فلسفية
http://www.balagh.comالمصدر