و من الملاحظ أن نظرية الإغماء تعتمد كلياً على بعض النصوص الإنجيلية حول قصة صلب المسيح عليه السلام. و تضرب تلك النظرية بعرض الحائط كل النصوص التي ساقها كتبة الإناجيل أنفسهم حول أحداث قيامة المسيح و نزوله من السحاب بعد عملية الصلب و غيرها من الروايات التي لا تتفق أبداً مع فرضية الإغماء تلك. فكيف يصدق أولئك المقلدون روايات الصلب و يكذبون معظم الروايات في أحداث انشقاق حجاب الهيكل والصعود إلى السماء و الملائكة التي تدحرج الحجر عن القبر المفترض للمسيح..إلخ !!؟. يقول إنجيل متى مثلاً واصفاً اللحظة التي فارق فيها المصلوب الحياة (( وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين - إنجيل متى 27/51 - 53 ) ). و هذه الأحداث لا يعترف بها أصحاب نظرية الإغماء أبداً فلماذا اعترفوا بتفاصيل عملية الصلب نفسها يا ترى ؟!!!. خاصة و أن الأناجيل نفسها تدعي هرب تلاميذ المسيح قبيل حادثة الصلب المزعومة !!. يقول إنجيل مرقس بخصوص تلاميذ المسيح: (( فتركه الجميع وهربوا - مرقس 14/50 ) ). فإن جاز تصديق التلاميذ لأمكن تصديقهم في أحداث ما بعد الصلب و ليس في أحداث الصلب نفسها. لكن أصحاب نظرية الإغماء يفعلون العكس تماماً. و لا ندري لماذا يلزمنا أصحاب تلك النظرية المتداعية أن نصدق تلك القصة التي لم يحضر أي من رواتها الأصليين الأحداث التي جرت فيها. بل إن اثنين من رواتها الأربعة - و هما مرقس و لوقا -لم يكونا من تلاميذ المسيح عليه السلام أصلاً و لم يروا المسيح أبداً فكيف تقبل شهادتهم في أمر جلل مثل قصة الصلب المزعومة !!. و كيف تقبل تفاصيل تلك القصة مع تناقض رواتها فيها و عدم معرفة الوسيلة التي حصلوا فيها على تلك التفاصيل كلها رغم غيابهم عن الحادثة ؟!!. ناهيك عن التناقضات في النسخ الموجودة للإنجيل الواحد نفسه. يقول أحد المحققين النصارى في تاريخ الأناجيل - اينوك باول - في كتابه"تطور الأناجيل": (( قصة صلب الرومان للمسيح لم تكن موجودة في النص الأصلي للأناجيل ) ). وقد استند في ذلك على إعادته ترجمة نسخة إنجيل متى اليونانية، فتبين له أن هناك أجزاء وردت مكررة في هذا الإنجيل، مما يوحي بأنه أعيدت كتابتها في مرحلة تالية.
و نحن إذ نلوم النصارى على تبني بعضهم تلك النظرية الغبية فإننا نستهجن أيما استهجان أن يتبناها من يعلن إسلامه و إيمانه بكل ما أخبر به القرآن الكريم. خاصة و أن من النصارى أنفسهم من اضطر إلى الإعتراف العلني بأن الإنجيل الذي بين أيدينا تعرض إلى التحريف و التبديل. و كلام المحقق اينوك باول مثال واضح على ما نقول. و نضرب على هذا مثالاً آخر و هو ما خلص إليه أصحاب كتاب"The Holy Blood and The Holy G r ail"حيث قالوا مثلاً في صفحة 279:
(( إن الكتاب المقدس - كما هو عليه اليوم - إن هو إلا نتاج لعملية انتقائية و تعسفية نوعاً ما. ليس هذا و حسب و إنما خضع إلى شيء من التحرير و الحذف و التنقيح ) ).
و ما صلبوه
و إن كان التناقض هو ظاهر حال أحمد ديدات فيما يتعلق بنظرية الإغماء فإن موقف مترجم كتبه إلى العربية - علي الجوهري - كان واضحاً لا غموض فيه. فقد دافع الجوهري بشدة عن نظرية الإغماء التي ساقها أحمد ديدات في كتابه"صلب المسيح بين الحقيقة و الإفتراء"و الذي ترجمه الجوهري بنفسه إلى العربية. و قد كان الجوهري شديد الحماس لتلك النظرية إلى درجة أنه عاب على المسلمين عدم تبنيها !!. و يرى الجوهري أن هذه النظرية لا تعارض الآية الكريمة (( و ما قتلوه و ما صلبوه و لكن شبه لهم - سورة النساء 157 ) )و هو بهذا يوافق القاديانيين و اللاهوريين في تفسيراتهم الباطنية للقرآن الكريم. و مما قاله علي الجوهري تأييداً لهذا التفسير الشاذ ما يلي:
(( جدير بنا أن ندقق في معنى الفعل المبني للمجهول(صُلب) . يقال عن شخص إنه صُلب إذا كان مات على الصليب ويقال عن شخص إنه أُغرق إذا كان قد مات إغراقاً تحت الماء، أما إذا كان حاول بعض الناس إغراق شخص تحت سطح الماء بهدف قتله ولم يمت هذا الشخص تحت الماء لأي سبب فإنهم لم يغرقوه. يجوز أن يكونوا قد شرعوا في قتله بإغراقه، ولكنهم في حقيقة الأمر (ما قتلوه وما أغرقوه(، حيث أنه لم يمت تحت سطح الماء من جراء إغراقهم له، في محاولتهم قتله تحت سطح الماء. وهكذا لو وُضِع شخص على الصليب ولم يمت من جراء الصلب لا يجوز أن نقول عنه أنه صُلب. ربما كان هذا شروعاً في قتله صلباً، ولكنهم(ما صلبوه) . كتاب"هل مات المسيح على الصليب؟"ترجمة على الجوهري. ص 16 )).