فهرس الكتاب

الصفحة 10550 من 27364

ولذلك كان اختياري لشخصية إسلامية مرموقة تناولت قضية التنمية بوعي إسلامي وفهم عميق للإسلام ولواقع الحضارة الأوروبية. فقد كان لابن باديس رحمه الله دروس في تفسير القرآن الكريم. ومن هذه الدروس حديثه حول قول الله تعالى {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} (سبأ 46) حيث ذكر أن هذه الآية تستحق أن يطلق عليها"آية النهوض الإنساني"، فقوله {قوموا} لا تعني القيام على الأرجل، وإنما معناها النهوض، ولو كان هذا مراداً وفهمته العرب منه لما سادوا المعمورة. ولا ينسى ابن باديس أن يحدد أهداف هذه النهضة كما فهما من القرآن الكريم بقوله:"إن النهضة يجب أن تكون لله فإن كانت لغيره فإنها لا تخلو من ضرر يعود على نوع الإنسان من جهات شتى وإن نفعت قوماً من بعض الوجوه."

وتحدث ابن باديس في تفسير قوله تعالى {أتبنون بك ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبّارين} (الشعراء128-130) ، وهنا تحدث ابن باديس عن التفاسير التي ذكرت أن معنى مصانع هي القصور أو مجاري المياه ويقول في ذلك ابن باديس و على القولين فهي دليل على معرفتهم بفن التعمير علماً وعملاً"ويضيف،"ولكن ليت شعري ما الذي صرف المفسرين اللفظيين عن معنى مصنع الاشتقاقي والذي أفهمه ولا أعدل عنه هو أن المصانع هي جمع مصنع كالمعامل من العمل وإنها مصانع حقيقية للأدوات التي تستلزمها الحضارة ويقتضيها العمران، والقرآن لم ينكرها لذاتها وإنما أنكر عليهم غاياتها وثمراتها، فإن المصانع التي تشيد على القسوة والقوة لا تحمد في مبدأ ولا في غاية، وأي عاقل يرتاب في أن المصانع اليوم هي أدوات عذاب لا رحمة، ووسائل تدمير لا تعمير فهل يحمدها على عمومها؟

وختمت محاضرتي بعبارات حول التنمية والاحتفاظ بالهوية الإسلامية -وهو ما كنت أتمنى لو تحدثت فيه عن تجربة المملكة- فكان مما قلته:"يجب أن تبدأ التنمية الحقيقية بالحفاظ على الهوية الإسلامية، وبعد ذلك فإن أي استعارة من الآخرين ستكون مقبولة ما دامت لا تؤثر أو تتعارض بأي طريقة مع الهوية الإسلامية. وبالإضافة إلى ذلك فالمحافظة على احترام الذات متطلب أساسي من متطلبات النهضة الحقيقية. ففي العصور المبكرة في التاريخ الإسلامي عندما بدأ أول اتصال للمسلمين بالحضارات الأخرى مثل الفارسية، واليونانية، والهندية فإن المسلمين لم يصابوا بالانبهار بهذه الحضارات إلى درجة فقدان قيمهم وأخلاقهم. وفي الوقت نفسه لم يحتقروا هذه الحضارات ويقللوا من شأنها، فإنهم على العكس من ذلك درسوا هذه الحضارات دون تحيز أو تعصب وأخذوا منها ما يلائمهم، وقدموا إسهامات أثرت المعرفة البشرية التي أخذها عنهم العالم وبخاصة أوروبا ليصنعوا منها حضارتهم المعاصرة. إن إنكار هذا الإسهام الإسلامي ورفض نهضة المسلمين وفق مسلماتهم وثوابتهم لا يعد سلوكاً عاقلاً."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت