أما المؤرخ البريطاني المعاصر (مونتغمري وات) فيؤمل بأن المسلمين سوف ينجحون، على الرغم من المصاعب"في جهدهم للتأثير على الرأي العام العالمي، على الأقل فيما يتعلق بالمبادئ الأخلاقية. وربما أمكنهم في ميدان الأفكار الدينية الأوسع أن يساعدوا على إغناء العالم؛ لأنهم احتفظوا بقوة كبرى في التعبير عن بعض الأفكار كحقيقة الله (سبحانه) ، تلك الأفكار التي أُهملت ونُسيت في كثير من الطوائف والأديان الأخرى الموحدة" (22) .
ونصل في نهاية المطاف إلى (غارودي) ، فإن كتابه (وعود الإسلام) يُعدّ بملاحظات خصبة عن المشاركة العالمية للحضارة التي شكلها هذا الدين. إن عنوان الكتاب يحمل بعداً مستقبلياً، وبالتالي فإن مادته القيمة ستصب هناك لكي ترسم للإنسان المعاصر، الحائر،
الممزق، ما يمكن أن تقدمه له الخبرة الإسلامية.
تتحرك ملاحظات (غارودي) حول المشاركة الإسلامية على عدد من المحاور أهمها، ولا ريب: توازن الإسلام ووسطيته، قيمه الأخلاقية، ثم رؤيته الشمولية وقدرته الفذة على منح المغزى لمسيرة الحياة البشرية في هذا العالم.."إن الإسلام يجد من جديد فرصة تاريخية لإظهار أن عقيدته وقصدياته هي إجابة على قلق عالم قاده النموذج الغربي للنمو إلى التفكك الاقتصادي والسياسي والأخلاقي، كما في أيام نشوئه ثم زمن انتشاره، إن الإسلام قدم جواباً على تفتت الإمبراطوريات" (23) .
هناك البطانة أو القاعدة الأخلاقية ما يتيح للحضارة الإسلامية مشاركة أشد فعالية في مستقبل العالم الذي أفلتت من بين يديه مؤشرات وضوابط القيم، فاندفع، بما يشبه الجنون، مشدوداً إلى هدف واحد: المزيد من التكاثر بالأشياء، والمزيد من القوة، بغض النظر عن أي قدر من التساوق أو الانسجام بين هذين الهدفين وبين التزامات القيم الخلقية من أجل صالح الإنسان. إن هذه المشاركة الأخلاقية كما يلحظ (غارودي) ضرورية جداً لوقف الاندفاع المجنون وتجنيب البشرية"الهلاك المحتوم"الذي يسوق إليه"الضلال الغربي" (24) .
ونحن نعرف جميعاً، انطلاقاً من هذه الرؤية، ما الذي فعله ويمكن أن يفعله العِلم الغربي المنفصل عن ضوابط القيم وذلك بتعبده للتكاثر والقوة، وما الذي فعله، ويمكن أن يفعله العلم الإسلامي المنضبط بالأخلاق وبالغايات الدينية في نهاية الأمر"لم نشدد على الوجوه التي لعب بها العلم الإسلامي باكتشافاته دور (الرائد) للعلم الغربي الحالي، وإنما على صفاته الخاصة في تبعيته وخضوعه للوسائل الإنسانية ذات الغايات الإلهية. في هذا المنظور، على القرن العشرين، والقرن الحادي والعشرين، أن يتعلما كثيراً من الإسلام" (25) .
أيضا فإن الحضارة الإسلامية بتقديمها فكرة التسامي (الأخلاقي) للإنسان كواحدة من
أهم مرتكزات الإسلام العقدية، التسامي الذي يكون المؤمن فيه في حالة صيرورة متواصلة
نحو الأحسن والأعلى.. هذه الفكرة لهي واحدة من أهم ما يمكن أن يقدمه المسلمون"لخلق مستقبل إنساني في عالم جعل استبعاد السمو منه، وسيطرة نموذج جنوني من النمو.. لا يمكن أن يُعاش" (26) .
أما الرؤية الشمولية للحضارة الإسلامية، والمغزى الذي تضفيه على الحياة البشرية، فتكاد تكون أهم إسهاماتها المقبلة، إذا ما تذكرنا كيف يتزايد الإحساس العالمي بالعبث واللا جدوى وكيف تفقد الحياة البشرية يوماً بعد يوم طعمها ومعناها، وكيف يتحوّل السعي المعرفي إلى نشاط تجريدي منفصل عن الإنسان، نقيض ـ أحياناً ـ لمطالبه ومطامحه.. وكيف تتفكك الوشائج بين أقطاب الكون وموجوداته، فيعيش الإنسان في عزلة مخيفة قد يكفي لتذكر مراراتها وأحزانها أن نلقي مجرد نظرة سريعة على آداب العصر وفنونه وفلسفاته"لقد فقد الإنسان الغربي كل وحدة في علاقاته مع الطبيعة والمجتمع والله. انفصل عن الطبيعة التي اعتقد أنه سيدها ومالكها.. ولم تساعد المسيحية الإنسان مع حذرها الأول بإزاء الطبيعة ومع تراجعاتها المتتالية، منذ عصر النهضة، أمام (علموية) تدعي الإجابة على جميع مشاكل الحياة، على الحفاظ على هذا البعد الكون ، على هذا الاتحاد الحميم لجميع الكائنات .. والإسلام عندما لا يكون قد أفسدته الرؤية الغربية المباشرة التي فرضها عليه الاستعمار، يستطيع أن يساعدنا على أن نعي هذه الوحدة التي هي عقيدته المركزية الأولى" (27) .
وبإيجاز شديد فإن"عقيدة الإسلام وقصدياته"لهي الإجابة على قلق العالم الحديث الذي يصنعه ويقوده النموذج الغربي (28) ، هذا النموذج الذي إن كان له أن يتباهى بما صنعته يداه فليس
له أن يشير إلاّ إلى العلم والتقنية اللتين بلغ بهماـ والحق يُقال ـ مرتقى صعباً.. ولكن حتى ها هنا، حيث لا يمكن للعلم أو التقنية أن تنفردا بمصير الإنسان بعيداً عن ارتباطاتها بفكرة ما، بفلسفة أو عقيدة تؤطر حركتهما، وتربطها بالإنسان نفسه، وتمنحها المعنى والهدف والمغزى،