فهرس الكتاب

الصفحة 10148 من 27364

أما أطروحة"فوكوياما"الحالية حول الترابط العضوي بين الديمقراطية والرأسمالية والمسيحية، من جهة، وبين المسيحية والعلمانية من جهة ثانية، فهي ليست جديدة. ففي بداية القرن العشرين نشر"ماكس فيبر"كتابه المعروف"الأخلاق البروتستانتية والروح الرأسمالية"، ومفاد أطروحة"فيبر"أن البلدان الأكثر تقدما منذ القرن الثامن عشر هي البلدان التي اعتنقت المسيحية البروتستانتية، وبخاصة الفرقة الكالفينية ضمن الديانة البروتستانتية، وسبب ذلك عنده ميل هذه الديانة نحو العقلانية في السياسة والاقتصاد، وذهب"فيبر"أبعد من ذلك ليقول بأن نشأة الرأسمالية لم تكن بسبب الثروات الضخمة التي حصلت عليها أوروبا عبر نهب الشعوب الفقيرة، بل بسبب الأخلاق البروتستانتية التي تقدس العمل والكسب والاجتهاد، والسؤال هو: هل من الضروري أن تؤدي قيم العمل والكسب والاجتهاد إلى الرأسمالية المتوحشة؟

وحين يشير"فوكوياما"إلى الارتباط بين المسيحية والديمقراطية والرأسمالية ينسى لماذا فشلت المسيحية في عشرين قرنًا مضت في إبداع الديمقراطية والرأسمالية?، ولماذا تأخر ذلك إلى القرن الثامن عشر؟

ثم إن الفكر الغربي الحديث يؤسس لمرجعية الديمقراطية في أثينا اليونانية، والكلمة ذاتها لها جذور في اللغة الإغريقية وتعني"حكم الشعب نفسه بنفسه"، فلماذا نشأت الديمقراطية في أثينا الوثنية، وهي غير مسيحية؟!

يتبين إذن أن أفكار"فوكوياما"هذه مهزوزة منذ البداية، وهي أقرب إلى الكليشيهات الجاهزة للتسويق أكثر من كونها أطروحات متماسكة لها ما يسندها، لكن"فوكوياما"يبني على هذه المغالطات مغالطة أخرى، وهي أن المؤسسات والمبادئ الغربية مثلها مثل الأساليب العلمية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، وهذه أطروحة واضح عوارها ولا تستحق الرد، لأنها ترد على نفسها؟!

ديمقراطية خارج الدين، أو ديمقراطية اللادين

إن الفكرة الرئيسية التي تدور حولها أطروحة"فوكوياما"هذه هي أن الديمقراطية الغربية ذات قيم كونية تستعصي على الخصوصيات، لأنها تتجاوزها، ومرجع هذه الأطروحة يوجد في فلسفة التمركز الغربي حول الذات التي تقول بأن ما هو صالح للغرب صالح لغير الغرب. إن الديمقراطية ليست شرا كلها، ولم يقل المسلمون بذلك، سوى فئات معزولة عزلها جمودها عن التطور ومسايرة السنن، لكن حتى هؤلاء كان لمواقفهم تلك ما يبررها، فقد نشر الغرب حول مفهوم الديمقراطية ظلالا من الايديولوجية والعلمانية بحيث إن الكلمة لم تعد تعني الآليات السياسية والمسطرية لتنظيم الحياة السياسية، بل صارت محشوة بقيم ومضامين جعلت الكثيرين يعتقدون أن الديمقراطية تؤدي أوتوماتيكيا إلى السقوط في الغربنة وتحولت ٌإلى"دين"، ودليل ذلك أن الغرب لم يقبل بأي تطبيق للديمقراطية في آسيا وإفريقيا والعالم الثالث عمومًا خارج ما هو مطبق لديه، وهو ما يعني أن الغرب يرفض باستمرار أن يكون الدين جزءاً من الحياة الديمقراطية، أو الناظم للممارسات الديمقراطية في هذه البلدان، فالغرب ينظر إلى الديمقراطية على اعتبار أنها لا تتم إلا في مجتمع حقق درجة نوعية من العلمانية، وطرد الدين من السياسة.

غير أن هذا الكلام هو مجرد كلام نظري فقط، لأن الواقع هو أن الغرب يرفض الديمقراطية في العالم الثالث، سواء عبر أو من دون علمانية، فهو لا يرفض أن تتدين هذه الشعوب أو أن لا تتدين، ولكن يرفض أن تأخذ بزمام الحياة السياسية السليمة وأن يكون لها حضور فاعل في الحضارة المعاصرة، لأن ذلك يمس بمصالحه، ويفتح أعين هذه الشعوب على حقيقة النهب الغربي المستمر لها، وهذا ما يدعو إليه الرئيس الأمريكي الأسبق"ريتشارد نيكسون"في كتابه"الفرصة السانحة"الذي صدر في أوائل التسعينيات علانية، فهو يقول إن الديمقراطية في العالم الإسلامي إذا تم ترك الحبل على الغارب ستكون لمصلحة المتطرفين?، وينادي صراحة بالحفاظ على الوضع القائم في العالم الإسلامي، أي وضع عدم الاستقرار السياسي، ويجب التذكير بأن نيكسون كان ينظر إلى سقوط الاتحاد السوفياتي كفرصة سانحة للولايات المتحدة لبسط سيطرتها على العالم الإسلامي.إن وجود العدوالصهيوني في قلب العالم الإسلامي وحده كفيل بدفع الغرب إلى منع الديمقراطية فيه، فمن يضمن ألاّ يصل إلى السلطة أعداء إسرائيل؟ ومن يضمن ألاّ يصل إلى السلطة أعداء الغرب ليتحكموا في منابع النفط؟ إن هذه هي الأسباب الحقيقية لامتناع الديمقراطية في العالم الإسلامي، وليس تلك الآراء السخيفة التي ترد هذه الموانع إلى الدين أو الثقافة أو التقاليد، فهذه الآراء مجرد تبرير لتظل الديموقراطية في العالم العربي والإسلامي ذلك المستحيل غيرالممكن، وغيرالممكن المستحيل ، لسبب بسيط هو أن الغرب يعرف جيدا أن اقتلاع الإسلام مستحيل، وهكذا يرتبط مستحيل بآخر، لا يذهب الإسلام ، ولا تأتي الديموقراطية، وتبقى الخصومات بين المسلمين لتشل قوتهم وتفتح للغرب المنافذ وتعطل السير: هذا"علماني"، وهذا"طالباني".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت