وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في التعريف بالإجماع وحجيته وأقسامه وأسباب حكاية الإجماع غير الثابت، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الإجماع لغة واصطلاحا:
الإجماع في اللغة: له إطلاقان، الأول: العزم المؤكد، وعبر عنه الفراء بأنه الإحكام والعزيمة على الشيء، تقول: أجمعتُ الخروجَ وأجمعتُ على الخروج [1] ، ومنه قوله تعالى (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) [2] ، وأثر حفصة بنت عمر"مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَه" [3] .
الثاني: الاتفاق على أمر من الأمور، يقال: أجمع القوم على كذا أي اتفقوا [4] ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام:"لا تجتمع أمتي على ضلالة" [5] أي لا تتفق على ضلالة.
واختلف الأصوليون في كونه مشتركا بين المعنيين أو حقيقة في أحدهما دون الآخر، فذهب الغزالي [6] في المستصفى [7] وفخر الدين الرازي [8] في المحصول [9] إلى أنه مشتركٌ لفظي بينهما، ونوقش بأن الاشتراك خلاف الأصل.
(1) . تهذيب اللغة للأزهري (1/ 254) .
(2) . يونس: 71.
(3) . رواه النسائي في الكبرى في كتاب الصيام، باب: ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك، رقم:2641 (2/ 117) ، وإسناده صحيح، وقد اختلف في رفعه ووقفه، والأظهر وقفه كما قال الترمذي في السنن (3/ 108) والنسائي في الكبرى (2/ 117) .
(4) . القاموس المحيط (1/ 917) .
(5) . رواه أحمد (رقم 27224) والترمذي في كتاب الفتن، باب: ما جاء في لزوم الجماعة، رقم:2167، (4/ 466) وأبوداود في الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها، رقم:4255 (4/ 158) وابن ماجة في الفتن، باب: السواد الأعظم، (رقم 3950) ، قال الحافظ في التلخيص (3/ 299) :وهو حديث مشهور له طرق كثيرة لا يخلو واحد منها من مقال. وقد ساق تلك الطرق وبين عللها ابن الملقن في تذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج (تخريج منهاج الأصول للبيضاوي) (1/ 53) ، فهو حديث ضعيف.
(6) . هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، أبو حامد، الطوسي، الشافعي، الغزالي، صاحب التصانيف، والذكاء المفرط. قال ابن النجار: أبو حامد إمام الفقهاء على الاطلاق، ورباني الامة بالاتفاق، ومجتهد زمانه، وعين أوانه، برع في المذهب والاصول والخلاف والجدل والمنطق، وقرأ الحكمة والفلسفة، وفهم كلامهم، وتصدى للرد عليهم، ومن مؤلفاته"البسيط"و"الوسيط"و"الوجيز"و"الخلاصة"و"الاحياء"، وألف"المستصفى"في أصول الفقه، و"المنخول"و"اللباب"و"المنتحل في الجدل"و"تهافت الفلاسفة".
توفي سنة 505 هـ. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (19/ 322) ، شذرات الذهب (4/ 10) ، طبقات الشافعية الكبرى (6/ 191) .
(8) . هو محمد بن عمر بن الحسين، أبو عبد الله، فخر الدين الرازي الشافعي الأشعري، المعروف بابن الخطيب. وهو فريد عصره ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات وعلم الأوائل، له التصانيف المفيدة في فنون عديدة، منها"المحصول"و"المعالم"في أصول الفقه و"المطالب العالية"و"نهاية العقول"في أصول الدين. توفي سنة 606 هـ. وترجمته في تاريخ الإسلام للذهبي (13/ 137) ، البداية والنهاية لابن كثير (17/ 11) ، طبقات الشافعية للسبكي (2/ 65) ، وفيات الأعيان لابن خلكان (4/ 249) .