وفي نقل الاتفاق في ذلك نظر؛ فقد ذكر ابن حزم عن الليث بن سعد وأبي ثور وداود بن علي الظاهري أن ذلك الأمر للوجوب، فأوجبوا الصيام عنه على الأولياء، قال -رحمه الله-:"(مسألة: ومن مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان، أو نذر أو كفارة واجبة ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه هم أو بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلا - أوصى به أو لم يوص به - فإن لم يكن له ولي استؤجر عنه من رأس ماله من يصومه عنه ولا بد - أوصى بكل ذلك أو لم يوص - وهو مقدم على ديون الناس. وهو قول أبي ثور، وأبي سليمان، وغيرهما" [1] .
وهو اختيار الشوكاني في السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار [2] .
وبهذا يعلم أن العلماء لم يتفقوا على هذه المسألة، وأن تعقب القائلين بأن الأمر في ذلك للاستحباب باتفاق العلماء تعقب صحيح، وفيما سبق يعلم ما في كلام ابن حجر من قوله"وبالغ إمام الحرمين ..."فهو لم يبالغ وإنما نقل نفي الخلاف فيه عن أبيه أبي محمد الجويني، فالأخير هو من ينطبق عليه كلام ابن حجر والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:"وفيه جواز الفطر من صوم التطوع كما ترجم له المصنف وهو قول الجمهور، ولم يجعلوا عليه قضاء إلا أنه يستحب له ذلك ... وعن أبي حنيفة يلزمه القضاء مطلقا، ذكره الطحاوي وغيره، وشبهه بمن أفسد حج التطوع فإن عليه قضاؤه اتفاقا، وتعقب بأن الحج امتاز بأحكام لا يقاس غيره عليه فيها، فمن ذلك أن الحج يؤمر مفسده بالمضى في فاسده، والصيام لا يؤمر مفسده بالمضى فيه"
(1) . المحلى (8/ 215) .