على حمل نعشه، ودفن بمقبرة القرافة بالقاهرة، قدس الله روحه، ونور ضريحه، ورحمه، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا به في دار كرامته ومستقر رحمته.
فإذا كان صحيح البخاري أصح كتاب بعد القرءان، وأعظم كتب الحديث قدرا وأعلاها رتبة فإن فتح الباري شرح صحيح البخاري أكثر شروحه نفعا وأعظمها قدرا وأغزرها فوائد وعوائد حتى صار جامعا لما تفرق في الشروح الأخرى بل زاد عليها وحشر فيه علوما مختلفة، حتى صار شرحه منهل العلماء فلا يستغني عنه عالم ولا باحث.
قاال صديق حسن القنوجي: في كتاب العبر لابن خلدون: وأما البخاري وهو أعلاها رتبة فاستصعب الناس شرحه، واستغلقوا منحاه من أجل ما يحتاج إليه من معرفة الطرق المتعددة، ورجالها من أهل الحجاز والشام والعراق، ومعرفة أحوالهم واختلاف الناس فيهم، ولذلك يحتاج إلى إمعان النظر في التفقه في تراجمه؛ لأنه يترجم الترجمة، ويورد فيها الحديث بسند أو طريق، ثم يترجم أخرى، ويورد فيها ذلك الحديث بعينه، لما تضمنه من المعنى الذي ترجم به الباب، وكذلك في ترجمة وترجمة إلى أن يتكرر الحديث في أبواب كثيرة بحسب معانيه واختلافها. ومن شرحه ولم يستوف هذا فيه فلم يوف حق الشرح كابن بطال [1] وابن المهلب وابن التين ونحوهم، ولقد سمعت كثيرا من المشايخ رحمهم الله تعالى يقولون: شرح كتاب البخاري دين على الأمة"يعنون أن أحدا من علماء الأمة لم يوف ما يجب له من الشرح بهذا الاعتبار انتهى."
(1) .هو علي بن خلف بن بطال أبو الحسن البكري، القرطبي، ثم البلنسي، شارح صحيح البخاري، كان من كبار المالكية (تـ 449 ه) .انظر: سير أعم النبلاء (18/ 47) .