هذا على التسليم بصحة ذلك القول عن إسحاق، وإلا فقد ذكر النووي - وتابعه العراقي [1] - بأنه لم يصح عنه ذلك، وصرح أيضا بأن المتأخرين من الشافعية أنكروا على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كالجماعة، ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع، على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون [2] .
وإذا قلنا بأنه حكاية ذلك لم تصح عن إسحاق بن راهوية وداود الظاهري فإن المسألة تكون من مسائل الاتفاق والإجماع وليست من موارد النزاع والخلاف.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:"أغرب ابن العربي فنقل الإجماع على أنها (أي الجمعة) لا تجب حتى تزول الشمس إلا ما نقل عن أحمد أنه إن صلاها قبل الزوال أجزأ اهـ، وقد نقله ابن قدامة وغيره عن جماعة من السلف كما سيأتي" [3] .
ثبت في أحاديث وآثار صحيحة أن أول وقت الجمعة إذا زالت الشمس، وأنها لا تصلى قبل ذلك، ومما جاء في ذلك ما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ" [4] .
(1) .انظر: طرح التثريب (2/ 59) .
(2) . انظر: شرح مسلم، للنووي (3/ 142) .
(3) . الفتح (2/ 387) .
(4) . أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب: وقت الجمعة إذا زالت، رقم: 862 (1/ 306) وأحمد (19/ 310) وابن أبي شيبة في كتاب الصلاة، باب: من كان يقول: وقتها زوال الشمس، وقت الظهر، رقم: 5180 (1/ 445) وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: في وقت الجمعة، رقم: 1086 (1/ 422) والترمذي في كتاب الجمعة، باب: وقت الجمعة، رقم: 503 (2/ 377) وأبو يعلى في مسنده (7/ 297) والبزار في مسنده (12/ 324) وابن المنذر في الأوسط (2/ 349) من طريق فليح بن سليمان، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك به، وإسناده صحيح.