"وأنكر ذلك طوائف أخرون من أصحابنا والشافعية، وقالوا: إنما الاختلاف في محل السجود في وجوبه عند من يراه واجبًا، وفي الاعتداد به وحصول السنة عند من يراه سنة. وهذا ظاهر على قواعد أحمد وأصحابه؛ لأنهم يفرقون في بطلان الصَّلاة بترك سجود السهو عمدًا، بين ما محله قبل السلام وما محله بعده، فيبطلون الصَّلاة بترك السجود الذي محله قبل السلام، دون الذي محله بعده، ولو كانَ ذَلِكَ على الأولوية لم يكن لهُ أثر في إبطال الصَّلاة. وقال القاضي أبو يعلى الصغير من أصحابنا: لو كان عليه سجود بعد السلام، فسجده قبله: هل يجزئه، ويعتد به؟ على وجهين. ولم يذكر حكم ما لو سجد بعد السلام، لما قبله. وظاهر كلامه: أنه لا يجزئه بغير خلاف. وهذه - أيضا - طريقة أبي المعالي الجويني من الشافعية ومن اتبعه" [1] .فعليه السجود الذي محله قبل السلام يجب أن يكون قبله، وما شرع بعد السلام يجب الإتيان به بعده.
واستدلوا بالأمر بها في الأحاديث الصحيحة، فعن أبى سعيد الخدرى -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ وَاحِدَةً صَلَّى أَوْ ثِنْتَيْنِ، فَلْيَبْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أَوْ ثَلاثًا، فَلْيَبْنِ عَلَى ثِنْتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثَلاثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا، فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلاثٍ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ" [2] ."
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: زَادَ، أَوْ نَقَصَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي
(1) . فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن رجب الحنبلي (9/ 456) .
(2) . أخرجه مسلم في الصلاة، باب: السهو في الصلاة والسجود له، رقم:1209 (2/ 84) وأحمد (18/ 305) والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان، رقم:398 (2/ 244) وأبو عوانة (1/ 509) من طريق سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري به.