فهذا حقه أن يتلقى بالاستسلام والمسالمة، وترك المخاصمة، وأن يكون فيه كالميت بين يدي الغاسل، وكمن انكسر به المركب في لجة البحر، وعجز عن السباحة وعن سبب يدنيه من النجاة فههنا يحسن الاستسلام والمسالمة، مع أن عليه في هذا الحكم عبوديات أخر سوى التسليم والمسالمة، وهي أن يشهد عزة الحاكم في حكمه، وعدله في قضائه، وحكمته في جريانه عليه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الكتاب الأول سبق بذلك قبل بدء الخليقة، فقد جف القلم بما يلقاه كل عبد، فمن رضي، فله الرضى ومن سخط فله السخط، ويشهد أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم (الحكيم) - جل جلاله - وصفته الحكمة، وأن القدر قد أصاب مواقعه وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به، وأن ذلك أوجبه عدل الله وحكمته وعزته وعلمه وملكه العادل، فهو موجب أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فله عليه أكمل حمد وأتمه، كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره" (1) ."
وأما المعنى الثاني: (للحكيم) وهو الموصوف بكمال الحكمة والإحكام والإتقان فينقسم إلى قسمين:
الأول: حكمته سبحانه في خلقه وصنعه.
الثاني: حكمته سبحانه في أمره وشرعه.
وعن هذين النوعين من الحكمة يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى:"وحكمته نوعان:"
(1) طريق الهجرتين 1/ 37، 38، ولم يشر الإمام ابن القيم هنا إلى الحكم الجزائي والذي هو من أنواع الحكم الذي هو لله وحده.