فتلك العبادة، التي تأتي بها أيها العبد، لا تنفع بها أحدًا إلا نفسك، والإعراض عنها، لا يضر أحدًا إلّا نفسك، فالأمر لك أولًا وآخرًا؛ والله - سبحانه وتعالى - لو عذب العباد، أولهم وءاخرهم، ما عذبهم وهو ظالم لهم؛ ولو رحمهم لكانت رحمته - سبحانه وتعالى - خير مما قدّمُوا؛ بل نعمة واحدة، من تلك النعم التي لا تُحصَى، لا تساوي ما تأتي به من عبادة، ولو بلغت مئات السنوات.
إذًا الغاية محدَّدّة، والهدف مُحدّد، والوسيلة مُحدّدة، وهذا هو محل الصراع؛ فهناك أقوامٌ أقرّوا بالعبودية، ولكنهم ابتدعوا وسائل من عند أنفسهم، زعموا أنها تقربهم إلى الله - سبحانه وتعالى -، بلسان الحال أو بلسان المقال؛ وأقوام حرّفوا معنى العبادة، وجعلوها تقتصر على صنف أو نوع منها.
والله - سبحانه وتعالى - عندما حدّد هذا الهدف، من خلق الإنسان، جعله - أي الأمر بعبادته وحده سبحانه وتعالى - دعوة الأنبياء والمرسلين كافّة، ينقلها الآخر عن الأول؛ فكل رسل الله - عليهم صلوات الله وسلامه -، إنّما بعثوا من أجل تحقيق هذه الغاية، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [1] ، فالعبادة هي التي بعث من أجلها الرسل كافة.
(1) سورة النحل\ 36.