الوجه الثاني في بيان أن الكفر المذكور في آيات المائدة هو الكفر الأكبر:-
[دلالة عرف الشارع]
الوجه الثاني الذي يتبين به أن الكفر الوارد في آية المائدة هو الكفر الأكبر: هو دلالة عرف الشارع، وهي متممة ومكملة ومفصلة لما سبقها من الوجه الأول، والمراد بالعرف: هو العادة الجارية التي اعتادها الذي ينسب إليه هذا العرف، فعرف الشارع هو ما أعتاده الشارع.
نقول أن الشارع كما هو ظاهر في الكتاب والسنة يطلق ألفاظ وتتكرر هذه أكثر من مرة، ويكون المراد من هذه الألفاظ معنًى واحدًا محددًا، بينه الشارع في أكثر من وجه؛ فنستنتج أن للشاعر عرفًا في هذا اللفظ وهذا المصطلح، بمعنى أن الشارع لا يستخدم هذا اللفظ وهذا المصطلح إلا للدلالة على معنًى واحدًا في جميع مناحي استخدامه، وفي جميع النصوص التي ورد فيها النص.
فيأتي رجل يقرأ النص الذي ورد فيه هذا اللفظ، فيحمل اللفظ على غير عرف الشارع؛ فنحن نعرف بالاستقراء أن لفظ الإيمان: المراد به القول والعمل والاعتقاد، كذلك نعرف بالاستقراء أن لفظ الكفر، المراد به عند إطلاقه الكفر الأكبر المخرج من الملة، فهذا صار عرفًا جاريًا للشارع في نصوص الكتاب والسنة، فيأتي رجل ويقرأ الآية وفيها هذا اللفظ، فيحمله على غير عرف الشارع؛ فيخرجه من حقيقته عند إطلاقه إلى معنى مجازي.
كما جاء المرجئة وقرؤوا ألفاظ الإيمان في الكتاب والسنة، وأخرجوها من عرف الشارع الذي أراد به الاعتقاد والقول والعمل إلى مجرد التصديق، وهو نفس العرف الذي أطلقه المرجئة المعاصرين عندما قرؤوا هذه الآية؛ فأولوا لفظ الكفر من عرف الشارع - الذي سنفصل به-، وحملوه على معنًى مجازي، ليس هو العرف الذي اعتاده الشارع.