ونحن إستعرضنا هذه المسألة بتفصيل ممل، فتكلمنا عن صورة فعل اليهود والتي هي إستبدال شرع الله بالآراء والأهواء، ولم نذكر دليلًا واحدًا فحسب بل قلنا أن الشريعة الإسلامية بمجموع أدلتها؛ بكلياتها وبتفصيلاتها كلها تدور حول أن الحاكمية لله تعالى، وعلى أن إستبدال الشرع بالآراء الأهواء كفر أكبر، فليست تلك الآية هي الدليل الوحيد في هذه المسألة، وإنما الشريعة كلها تدل عليها، وسيأتي معنا في الوجه السابع والأخير الإجماع على ذلك.
فالذي يريد أن يقتصر ويكتفي بالإستدلال على كفر الحكام بآية المائدة نقول له: لقد ضيقت واسعًا، فالشريعة كلها تدل على هذه القضية.
ورغم ذلك نقول أن الآية بمجرّدها هي نص في محل النزاع، ولكن لما إعتراها من الشبهات والجدل العقيم نقول لنفترض أن الآية ليست نص في محل النزاع فهل الواجب علينا إذا أردنا أن نصدر حكمًا في هذه المسألة أن نُنَحِّي سائر الأدلة ونقتصر على النظر في دليل واحد؟
هذا لا يقوله عاقل، وإنما هناك قاعدة ثابتة من قواعد أهل السنة والجماعة في النظر والإستدلال وهي وجوب جمع أطراف الأدلة وسائر النصوص التي تتحدث عن هذه المسألة؛ ثم نخرج بعد ذلك بالحكم الصحيح من النظر والتأمل في سائر النصوص، أمّا الإقتصار على دليل واحد فهذا سمت أهل البدع الذين يبعضون الإتباع، والذين يبعضون الأخذ من الكتاب والسنة فيخفون ما يخالفهم ويظهرون ما يريدون.
وهذه المسألة تكلم عنها كثيرًا شيخ الإسلام إبن تيمية في كتباه النفيس (منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية) وذكر أن من منهج المبتدعة في النظر والإستدلال أنهم يبعضون الأدلة فيأخذون ويظهرون ما يوافقهم ويخفون ويردون ما يخالفهم.