ولو أردنا أن نعقد مقارنة بين ما في التوراة والإنجيل -قبل أن يعتريهما التحريف، بل حتى بعد أن اعتراهما التحريف- وبين ما في القوانين الوضعية من أحكام، فنقارن الأحكام التي في التوراة والإنجيل رغم تحريفهما وبين ما في القوانين الوضعية من أحكام، من حيث صلاحها لحكم البشر؛ فسنجد بلا شك أن التوراة والإنجيل أصلح لحكم البشر من هذه القوانين الوضعية.
وهذا بعد أن اعتراهما التحريف، فما بالكم بأصلهما قبل أن يعتريهما التحريف، فلو عقدنا مقارنة لن نجد أصلًا وجهًا للمقارنة بين تلك الأحكام التي هي في أصلها من عند الله، وبين تلك القوانين التي تمثل قمة ما وصلت إليه زبالة الأفهام والأوهام؛ ورغم هذا كان من يتبع تلك الأحكام المنسوخة كافرًا كفرًا أكبر مخرج من الملة.
بعد هذا قال تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) ؛ فأمر الله تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- أشرف الخلق بتحكيم شرعه، ثم بعد الأمر جاء النهي بالتحذير عن مغبة اتباع الهوى، وهذا الأمر توجه من الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم- أشرف خلقه، وهذا الأمر يشمل كل من هو دون الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهذا الأمر لا يحتمل النقاش؛ ثم يحذّر تعالى نبيه الصادق المصدوق خاتم الأنبياء -صلى الله عليه وسلم- من مغبة اتباع أهواء القوم، فكل من هو دون النبي -عليه الصلاة والسلام- فهو أولى بالتحذير من ذلك؛ وهي بالفعل شريعة الأهواء، وكل شرع غير شرع الله تعالى فإنما هو هوى محض، فهي قسمة ثنائية حق وباطل، شرع وهوى، فكل شرع خالف شرع الله فهو هوى محض.