وأهل العلم عندما تكلموا في قضية الموالاة والمعاداة ذكروا أن للولاء عدة معان وصور، فمن هذه الصورة وتلك المعاني التي ذكروها للولاء هي ولاء الطاعة والاتباع، وهذا معنًى لغوي وشرعي قاطع الدلالة.
ومن أدل الآيات التي تبين لنا هذا المعنى قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [1] ؛ فحكم تعالى أن الذي يتبع غير سبيل المؤمنين قد تولى هؤلاء الكافرين، فالاتباع تولّي.
وكذلك قوله تعالى: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) [2] ، فهذه الآية حكمٌ على أن الذي يتبع غير الله ورسوله قد اتخذه وليًا.
ونحن عند حديثنا في المفردة الأولى عن تاريخ الحكم بما أنزل الله، ذكرنا أن تلك القوانين الوضعية المقتبسة من الشرق أو من الغرب -من فرنسا أو من بريطانيا أو من أمريكا-، وأن الباب الرئيسي الذي ولجت منه القوانين الوضعية كان انكسار حاجز الولاء والبراء بين الدولة العثمانية وبين الدول الأجنبية؛ فعندما انكسر هذا الجدار واستطاعت الدول الأجنبية أن تحصل لها كثير امتيازات داخل الدولة العثمانية؛ بدأت تدخل لنا التشريعات الوضعية.
وكذلك كان الأمر في الجزيرة العربية؛ فقلنا أن بداية دخول القوانين الوضعية للمملكة لم يكن إلا بعد أن انكسر حاجز المولاة والمعاداة بين المسلمين والكفار في عصر الملك عبد العزيز، فدخلت القوانين الوضعية من باب الشركات الأجنبية والامتيازات التي أعطيت لغير المسلمين؛ فهي صورة قطعية لموالاة اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار.
(1) سورة النساء\115.
(2) سورة الأعراف\3.