بعد هذا قال الله تعالى: (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) ؛ فصرح تعالى في هذه الآية بأن الرسالات السماوية والأديان السابقة كلها نسخت بهذا الدين الكامل وبهذه الشريعة الناسخة الكاملة المهيمنة، وهذا أمر يترتب عليه أمور أخرى؛ أن الذي يعرض عن حكم الشريعة ويتّبع تشريع سماوي في أصله -أنزل على نبي من أولي العزم من الرسل-، فحكمه في كتاب الله بأنه كافر مرتد خارج عن دين الله؛ رغم أنه اتبع تشريع سماوي وأحكام أرسلت على رسول، بل على من هو من أولي العزم من الرسل؛ فكل هذه الأمور لم تشفع له؛ لأنه أعرض عن الشرعية الناسخة واتبع التشريع المنسوخ، فالدائرة تدور بين ناسخ ومنسوخ وكلاهما يرجع إلى مصدر سماوي، فما بالكم بمن يعرض عن الشرعية الخاتمة الكاملة الناسخة، ليُحَكِّم أراء وأهواء ما أنزل الله بها من سلطان؟!
يقول ابن حزم في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) : (لا خلاف بين اثنين من المسلمين أن هذا منسوخ، وأن من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأت بالنص عليه وحي في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام) [1] اهـ.
ونفس المعنى يقوله شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى: (ومن بدل شرع الأنبياء وابتدع شرعا فشرعه باطل لا يجوز اتباعه كما قال:(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ) [2] ؛ ولهذا كفر اليهود والنصارى لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ.) [3] اهـ.
(1) الإحكام في أصول الأحكام) لإبن حزم الظاهري 5\ 173.
(2) سورة الشورى\21.
(3) مجموع فتاوى إبن تيمية 35\ 365.