والأمر سيان سواء كان سبب النزول الأول أو الثاني، أو كان للآية سببان للنزول فالأمر واحد عندنا، ونحن ذكرنا السبب الثاني حتى تتضح الصورة ويزداد الأمر وضوحًا في الذهن، فذكر السبب الثاني معين لنا في تنزيل تلك المناطات المذكورة في الواقع المعاصر الذي نعيشه، بل إذا وضعنا السبب الأول إلى جانب السبب الثاني، الذي وضح فيه راويه أنهم اصطلحوا واتفقوا، لكان هذا الأمر مساعدًا قويًا ومناطًا واضحًا عن مدى المطابقة والمشابهة؛ بين صفة فعل اليهود الذين أنزلت فيهم تلك الآيات، وبين صفة فعل الحكام المعاصرين، وهذا ما سنتكلم عنه -إن شاء الله- في الدرس القادم.
نتكلم الآن عن صفة فعل أهل الكتاب التي استحقوا بها تكفير الله تعالى لهم من فوق سبع سماوات، وهذه المسألة تعتبر حجر الأساس في بناء الحكم على حكام اليوم؛ لأن تصور الإنسان تصورًا صحيحًا لتلك المناطات المصرّح بها في أسباب النزول، يكفي في تفنيد كافّة الشبهات التي يُروج بها حول تلك الآيات.
ونقول أن الأحاديث الصحيحة في الصحيحين مصرحة بصفة فعل أهل الكتاب، ومصرحة بتلك المناطات التي كفروا به، ونقول سواء جعلنا سبب النزول سبب واحدًا بقصة اليهوديين الذي زانيا، أو جعلناهما سببين اثنين بإضافة قصة الدية بين طائفتي اليهود فالأمر سيان، بل إذا اعتبرناهما سببين فهذا يزيد الأمر وضوحًا وبيانًا وجلالًا، كما قال ابن كثير في توضيح هذه المسألة، أنه يمكن أن يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد؛ فنزلت هذه الآيات.
فالأمر لا يختلف ونحن سنعتبر أن للنزول سببين؛ لأنه بضم السببين؛ ما ورد في قصة اليهوديين الذين زنيا وما ورد في قصة العزيزة والذليلة؛ تتضح تمامًا تلك الصورة والصفة التي من أجلها كفرهم الله تعالى بها.