فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 698

ويوضح ذلك قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) [1] وتفسير النبي -عليه الصلاة والسلام- لهذا الاتّخاذ ولهذه العبادة في حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه-، ونحن نقلنا كلام السلف في أنهم لم يصلوا لهم ولم يصوموا لهم ولم يذبحوا لهم، وأنهم لو طلبوا منهم أن يعبدوهم بالشعائر لما خضعوا لهم، وأنهم كانوا يعتقدون أنهم بشر ولكن خضعوا لهم في التشريع المخالف، فكانوا بهذا الاتباع كفار كفر أكبر مخرج من الملة.

صور الطاعة المكفرة والتفريق بينها وبين غيرها:

ومسألة أخرى، أكل الميتة معصية؛ فالذي يأكل الميتة أو الذي يأكل مما لم يذكر اسم الله عليه لم يأتِ بمكفر ولم يأتِ بناقض من نواقض الإيمان، فالله -سبحانه وتعالى- حكم بالكفر على الذين يطيعون الكفار في تحليلهم لأكل الميتة، رغم أن أكل الميتة معصية وليس كفر بإجماع المسلمين؛ لأن الطاعة يفرق فيها بين حالتين؛ الحالة الأولى: هي أن يتبع العبد غيره في فعل المعصية، ولكن هذا الغير إنما عرض عليه المعصية على سبيل التزيين والإغراء وإثارة الشهوات؛ ففي هذه الحالة تعتبر الطاعة في المعصية معصية من المعاصي وليست كفر، وقد تكون كبيرة من الكبائر بحسب المعصية التي وقع فيها.

أما من يقع في المعصية لا لأن الذي دعاه إليها دعاه على سبيل الإغراء، وإنّما على سبيل كونها شرعًا مستقرًا ثابتًا يخالف شرع الله؛ فهذا هو الكفر الأكبر المخرج من الملة، وهذا المناط وهو المناط الذي حكم الله به على الذين يقعون فيه بأنهم مشركين شرك أكبر مخرج من الملة، فيجعل تشريعُا عامًا ثابتًا مستقرًا، بل بالإضافة لهذا يجعل لهذا التشريع إلزامية تتمثل في الجزاء والعقاب، ويدعوا الناس لاتباع هذا التشريع، فيدعوا الناس إلى المتاجرة بالربا أو يدعوا الناس إلى الزنا بصورة غير صريحة فيجعل للزنا أحكام تخالف شرع الله ورسوله.

(1) سورة التوبة\31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت