النقطة الثانية أن المطاعون في هذه الآية كرهوا فقط ما أنزل الله؛ أما المطاعون اليوم من الطواغيت كرهوا ثم تجاوزوا مرحلة الكره لما أنزل الله إلى المعاداة والمحاربة آخر هذه القائمة الطويلة، ثم تجاوزوا هذه المرحلة إلى مرحلة التشريع.
الأمر الآخر الذي تختلف به الحالة اليوم عن حالة الذين نزلت فيهم الآية أنهم قالوا سنطيعكم في بعض الأمر، فما بالك بالذي يطيع في كل الأمر خلاف أمر الله وأمر رسوله، فتوضع التشريعات الثابتة في كافة المناحي، فنحن في صورة مركبة ومعقدة عن الصورة التي نزلت فيها هذه الآية، فجعل الله -سبحانه وتعالى- هذه الطاعة كفرًا وردة بعد الإيمان، وهم لم يُصلّوا لهم ولم يذبحوا ولم يصوموا ولم ينذروا لهم ولم يطفوا حولهم ولكن أطاعوهم في بعض الأمر، فكانت هذه الطاعة عبادة لهم من دون الله، فاستحقوا أن يَحْكم الله عليهم بالردة بعد الإيمان.
وأصرح من كل هذا الآية التي مرت معنا كثيرًا وهي قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) [2] .، وهؤلاء الذين نزلت فيهم الآية لم يصلوا ولم يطوفوا ولم يذبحوا لغير الله، كما ذكرنا من قبل كلام البحتري وكلام الربيع بن أنس، بل قلنا أنهم لو أمرهم هؤلاء الأحبار والرهبان أن يعبدوهم بأن يسجدوا لهم ويصوموا لهم لما أطاعوهم، ولكن جعلهم الله تعالى عبادًا لهؤلاء الأحبار والرهبان لأنهم أطاعوهم، فجعل طاعتهم عبادة، وحكم على هؤلاء المتبعين بالشرك، وحكم على هؤلاء المشرعين أنهم أرباب من دون الله تعالى.
(1) سورة التوبة\ 31.
(2) سورة التوبة\ 31.