النقطة الأخرى: أنه قبل فتوى ابن كثير وقبل فتوى ابن تيمية، لدينا فتوى رب العالمين -سبحانه وتعالى- من فوق سبع سماوات، في قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [1] ، تلك الآية التي سنشرحها بالتفصيل من جميع وجوهها، فهذه الفتوى في هذه الآية لم تصدر في الذين بدّلوا حكم الله من الرجم إلى التحميم بأعينهم، وإنّما أنزلت بعد هذا بعدة سنوات؛ أنزلت في المعاصرين للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهؤلاء لم يبدلوا الحكم أبدًا.
وسيأتي معنا في سبب نزول هذه الآية بالتفصيل أنّ الذي وضع هذه الآيات هم أجدادهم القدماء، فهم الذي كانوا إذا زنى فيهم الشريف تركوه وإذا زنى فيهم الوضيع أقاموا عليه الحد؛ فقالوا تعالوا نتفق على حكم يُطبق على الشريف والوضيع، فوضعوا هذا الحكم وبدلوا حكم الرجم بالتحميم.
ورغم أن المعاصرين للنبي -عليه الصلاة والسلام- ليسوا هم الذين بدّلوا الحكم؛ رغم هذا أنزلت فيهم تلك الآية، وحكم الله عليهم من فوق سماوات بالكفر والخروج عن حكم الله، فهو لغو لم يرتقي أصلًا لأن يكون شبهة.
الوقفة الأخيرة مع فتوى ابن كثير هي حول قوله: (فمن فعل ذلك فهو كافر) ، فعلق الحكم بالكفر على الفعل، ولم يعلقه على الاعتقاد أو الاستحلال أو الجحود، فلم يقل من فعل ذلك مستحلًا، ولم يقل من فعل ذلك جاحدًا، ولا قال من فعل ذلك مكذبًا، وهو الفقيه المفسر النظّار الأصولي اللغوي المجتهد.
(1) سورة المائدة\44,