بعض الذين أغرموا بالشبهات وأغرمت الشبهات بهم ونصبوا أنفسهم للشبهات يقولون: هؤلاء لم يضعوا أحكام القوانين الوضعية بل أسلافهم هم الذي وضعوها؛ فوضعها الملك أو الرئيس الأول فلان، ثم جاء هذا المسكين فوجدها مطبقة فحكم بها، فهو لم يفعل شيء.
وهذا الكلام قد قاله فعلًا بعض الناس المنتسبين للعلم، وهو كلام متهافت لم يرتقِ أن يكون شبهة؛ فيا أصحاب العقول، هل هناك فرق بين الحاكم الذي يضع هذه القوانين ابتداءً، وبين الحاكم الذي يأتي بعده ثم يطبق هذه الأحكام؟
بل هذه الفتوى التي أصدرها ابن كثير وأصدرها شيخ الإسلام ابن تيمية، والتي نصّا فيها على الإجماع على كفر هؤلاء، هي ليست في الذي وضعوا الياسق؛ فالذي وضع الياسق هو جنكيز خان وقد توفي سنة 624هـ، وشيخ الإسلام ابن تيمية ولد سنة 661هـ، أي بعض وفاة جنكيز خان بعشرات السنين، وولد ابن كثير سنة 700هـ، فكلا العالمين ولدا بعد وفاة جنكيز خان بعشرات السنوات، هذه نقطة.
النقطة الثانية: أنهم نصّوا في فتواهم أن الذي وضع الياسق هو جنكيز خان، ورغم هذا الفتوى أنزلت على الأبناء والأحفاد؛ لأن الأبناء والأحفاد دخلوا في الإسلام، وكان أول من أسلم منهم أحمد بن هولاكو، ابن هولاكو الذي أسقط الخلافة العباسية، فعلى هؤلاء صدرت الفتوى بالردة والخروج عن دين الله، بينما جنكيز خان لم يدخل في الإسلام ولم يدّعي هذا، فعلماء المسلمين كانوا على هذا القدر الذي يوجبه عليهم دينهم من الفقه في دين الله.
فهذه الفتوى هي أصلًا في أٌقوام لم يضعوا تلك التشريعات ولم يشاركوا في ذلك، وإنما نشؤوا في ديار الإسلام والمسلمين ودخلوا في دين الله؛ وكانوا يتركون الناس للتحاكم لشرع الله، وكانوا يوصونهم بالتقوى والخشية وسائر هذا الكلام الذي نقلناه لكم، ورغم هذا حكم العلماء بردتهم؛ لا لأنهم شرّعوا وقنّنوا ووضعوا التشريعات وإنّما لأنّهم حكموا بها.