فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 698

فهؤلاء القوم الذي ذكرهم الله في الآية كانوا يعرفون الحق معرفة يقينية، وهم لم يصلوا ويصوموا لهؤلاء وإنما أطاعوهم فقط، وهم أطاعوهم في بعض الأمر وليس في كل الأمر وليس في تشريعات ثابتة مستقرة تحكم بها المحاكم وتصرح لها الصروح كما يحدث الآن، فتجد هؤلاء الطواغيت اليوم ينشئون الصروح الربوية محاربةً لله تعالى في شاهقات تناطح السحاب، وفي الأثر (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد من ستة وثلاثين زنية) [1] .

وهؤلاء القوم المذكورون في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) ؛ لم يسول لهم الشيطان أن يعبدوه أو يعبدوا الأصنام ولكن ما سوّله لهم وارتدوا بسببه عن الإسلام (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) ، فهم ارتدوا للكفر بعد الإيمان بأنهم قالوا (سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) فقط ولم يفعلوا بعد، فقالوا سنطيع الله ونطيع الرسول -عليه الصلاة والسلام- في كل الأمور إلا في هذا الأمر، فحكم الله عليهم بالكفر والردة.

فلو أردنا أن نقارن بين المرتدين في هذه الآية وبين ما نحن فيه لوجدنا فرقًا شاسع، فنحن في صور متعددة كما ذكر الشيخ الشنقيطي؛ فالذي ذكرهم الله في الآية تكلموا ولم يفعلوا ومشركي اليوم فعلوا، فلم يقولوا فقط بل شرّعوا وألزموا الناس بشرعهم بغض النظر عن ما أحله الله وحرمه، وبغض النظر عن أمر الله ورسوله.

(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده وقال الأرنؤوط في تحقيقه لمسند الإمام أحمد: (ضعيف مرفوعًا، رجاله ثقات رجال الشيخين غير صحابيه، فقد روى له أبو دواد، وهذا الحديث لا يصح مرفوعًا إلى النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما هو من قول كعب الأحبار كما سيأتي في الرواية التالية وفي تخريجه هنا .... ) اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت