وهنا لطيفة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه الفتوى: (أن اتباع اليهود والنصارى لذلك التشريع المنسوخ داخل في قوله تعالى:(أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ) [1] ، فهذا التشريع الذي أنزل على اليهود والنصارى في أصله قبل أن يعتريه التحريف هو شرع أذن الله به؛ ولكن عندما نسخ هذا التشريع بتشريع آخر مستقر صار هذا التشريع المنسوخ المذكور ممّا لم يأذن به الله، وإن كان في أصله أنزل من عند الله -عز وجل-؛ لأن الله تعالى أنزل بعده تشريعًا آخر ناسخًا له، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) [2] .
وهذا الكلام كله في التشريع المنسوخ؛ فما بالكم بالتشريع الوضعي، الذي هو واضع نابليون وجستنيان وسائر هؤلاء الكفار، فهذا أولى بالكفر من الذي يتبع تشريع منسوخ في التوراة والإنجيل.
وقد نقل ابن القيم الإجماع على كفر الذي يتبع تشريع منسوخ، ويدخل في هذا الإجماع من باب أولى الذي يتبع تشريع وضعي، فالإجماع فيه مركب، يقول ابن القيم في كتابه (أحكام أهل الذمة) : (وقد جاء القرآن، وصح الإجماع بأن دين الإسلام نسخ كل دين كان قبله، وأن من التزم ما جاءت به التوراة والإنجيل، ولم يتبع القرآن، فإنه كافر، وقد أبطل الله كل شريعة كانت في التوراة والإنجيل وسائر الملل، وافترض على الجن والإنس شرائع الإسلام، فلا حرام إلا ما حرمه الإسلام، ولا فرض إلا ما أوجبه الإسلام.) [3] اهـ.
(1) سورة الشورى\21.
(2) أخرج الإمام أحمد في مسنده (14631) من حديث جابر بن عبد الله، وحسنه الألباني.
(3) كتاب أحكام أهل الذمة لابن القيم 1\ 533.