إذًا مسألة الحاكمية هي من أصل الإيمان، ونعني بأصل الإيمان: ذلك المعنى الذي تكلمنا فيه، عندما تكلمنا في موضوع (حقيقة الإيمان عن أهل السنة والجماعة) ؛ أي هو الجزء من الإيمان، الذي لا يُحَقِّق للعبد، القدر المُنجي من الخلود في نار جهنم إلا به؛ فهذا الجزء يَستلزِم ويحتوي، ويتضمّن موضوع الحاكميّة، أن يكون الحكم لله وحده، لا لغيره من الأنداد والشركاء والآلهة.
وكذلك إذا أردنا، أن نُفصّل في هذا الأمر، شيئًا من التفصيل نقول؛ إن الله - سبحانه وتعالى - خلق هذا الكون، وسخّره بما فيه، من الأنهار والجبال، والسماء الأرض، والشمس والقمر؛ كُل هذه الموجودات، سخّرها الله - سبحانه وتعالى -، ووضعها ومهّدها لخدمة الإنسان؛ ثم فرّغ الله - سبحانه وتعالى - الإنسان، لهدف وغاية سامية، هي عبادة الله - سبحانه وتعالى - وحده؛ فهذا الكون مُسخّر للإنسان، لأداء الوظيفة التي خلقه الله لأجلها، وهي وظيفة العبودية.
يُصرّح بذلك المولى - سبحانه وتعالى -، بهذا الأمر فيقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [1] فالجن والإنس، ما خلقوا إلا لأجل غاية واضحة محدّدة؛ فالحيدة عن تلك الغاية، في صور من صورها، خروج عما أراده الله، لهذا الإنسان ألا وهو العبادة.
وهذه العبادة هي في التحقيق، من أجل نجاة الإنسان؛ فالله - سبحانه وتعالى - لا يتحصّل له أمر ينفعه، فهو سبحانه عليٌّ، عن أن يتحصل له نفع من البشر؛ كما قال تعالى: (مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) [2] بل المولى - سبحانه وتعالى -، غنيٌّ عن عبادتك، وعن عبادة الناس أجمعين، فالله غنيٌّ عن العالمين؛ (وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) . [3]
(1) سورة الذاريات\56.
(2) سورة الذاريات\57.
(3) سورة إبراهيم\8.