فهرس الكتاب

الصفحة 588 من 698

فهذا الأمر إفتراء أولًا على الصحابة الكرام، فالذي ينزل هذه المقولة على الحاكم المشرع المستبدل يرمي الصحابة الكرام بأمر عظيم، بل الحكام والولاة الذي بلغوا في الظلم والجور مبلغًا عظيمًا لم يعرف عن أحد منهم أنه شرّع ولو تشريعًا واحدًا.

وإذا أردنا أن نضرب مثلًا للظلم وللجور وللبطش من الأمراء والحكام والولاء فسنضربه بالحجاج فهو أشهر من عرف بذلك في تاريخ المسلمين؛ ورغم أن قد كفره بعض السلف من الأئمة الكبار إلا أن أحد من أهل العلم لم يَنْسِب للحجاج أنه سنّ ولو تشريعًا احدًا. فلم ينسب أحد للحجاج ذلك رغم أن بعض السلف كفره ولكن الراجح عدم كفره وهو ما عليه عموم السلف.

فالشاهد من هذه المسألة أمران؛ الأمر الأول أنه رغم جوره وظلمه ورغم أنّ هناك من كفّره إلا أنه لم ينسب إليه أحد أنه شرَع أو إستبدل أو وضع قانونًأ من عند نفسه، رغم أن الأئمة الذين كفروه أئمة أعلام وعلى رأسهم سعيد بن جبير أعلم أهل زمانه بشهادة الإمام أحمد، يقول الإمام أحمد:"قتل الحجاج سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه".

يقول إبن حجر في كتابه (تهذيب التهذيب) :"وكفره -أي الحجاج- جماعة منهم سعيد بن جبير والنخعي ومجاهد وعاصم بن أبي النجود والشعبي وغيرهم." [1] اهـ.

فهؤلاء الأئمة الكبار رغم أنهم كفروا الحجاج إلا أنهم لم ينسبوا إليه أنه شرع أو بدل ولو في قضية واحدة، فالمسألة لا تعنينا، والراجح أن الرجل غير كافر وإنّما هو كما في حديث أسماء بن أبي بكر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خرج من ثقيف كذاب ومبير) [2] ، فالكذاب هو المختار والمبير هو الحجاج كما قالت أسماء للحجاج أنت المبير.

(1) كتاب (تهذيب التهذيب) لإبن حجر العسقلاني 2\ 211

(2) المعجم الكبير للطبراني (232) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت