فهرس الكتاب

الصفحة 441 من 698

هناك قصة طريفة توضح لنا هذه المسألة؛ حصلت مناظرة بين أبي عمرو بن العلاء وبين رأس المعتزلة في زمانه عمرو بن عبيد؛ وكان عمرو بن عبيد يريد أن يقرر مبدأ المعتزلة، في أن الوعيد لابد أن يلحق العصاة وأن العصاة مخلدون في النار، فرد عليه أبي عمرو بن العلاء فقال له: (ن العُجْمة أتيت أبا عثمان، إن الوعد غير الوعيد، إن العرب لا تعد عارًا ولا خلفًا؛ والله -جل وعز- إذا وعد وفى، وإذا أوعد ثم لم يفعل كان ذلك كرمًا وتفضلًا؛ وإنما الخلف أن تعد خيرًا ثم لا تفعله) ثم ذكر له البيت المشهور:

وإني وإن أوعدته أو وعدته **لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

كذلك من تلك الأمثلة للبدع التي نشأت بسبب الجهل بلغة العرب؛ تأويل الجهمية للفظ (استوى) ؛ فقالوا: المراد به (استولى) ، فزادوا حرفًا كما فعلت اليهود؛ واستدلوا على هذا ببيت ملحون يدل على جهله بلغة العرب، وأن العرب لا تستخدم لفظ استوى للدلالة على استولى:

قد استوا بشر على العراق ** من غير سيف ودم مهراق

وهو بيت ملحون كما قال غير واحد من أهل العلم، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية.

وكذلك من الأمثلة التي تدل جهل المبتدعة بلغة العرب، استدلال الأشاعرة والماتريدية في تقرير مذهبهم الفاسد أن كلام الله إنما هو كلامه في نفسه؛ استدلالهم ببيت شعر للأخطل:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ** جعل اللسان على الفؤاد دليلًا

وهذا كلام باطل؛ فمقتضى هذا الكلام أن الأخرس متكلمًا، والعرب بلغتها لا تسمي الأخرس متكلمًا، فهم بجهلهم بلغة العرب وقعوا في هذه البدعة. فيأخذون هذا البيت لهذا الشاعر النصراني ويتركون نصوص الكتاب والسنة؛ ففي حين أنهم يتبجحون أن أحاديث الآحاد لا تثبت بها عقائد، فلا يثبتون العقائد بأحاديث الآحاد ويثبتونها ببيت شعر لرجل نصراني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت