إذًا أول باعث في هذه الرواية هو المصلحة العقليّة، فرأوا أن المصلحة حتى لا تحدث فتنة بين الأغنياء والشرفاء وبين المساكين وباقي الناس؛ فقالوا تعالوا نجعل حكمًا عامًا وننبذ كتاب الله وراء ظهورنا، فهذه الرواية توضح أن باعثهم لهذا لم يكن أبدًا إنكار حكم الله، ولم يكن جحود حكم الله بقلوبهم، وإنما هي المصلحة المجردة، المصلحة العقلية بمنع هيجان الفتنة؛ وتذكرون في الرواية التي ذكرناها، أن الملك عندما أراد أن يقيم الحد على أحد العامة/ قام قومه وقالوا: (لا نرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه) [1] ، فحتى يمنعوا هذه الفتنة، اجتمعوا على عقوبة يطبقوها على الشريف والوضيع.
وفي الرواية الثانية، التي أخرجها الإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال لهم: (فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟) فقالوا: (زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في أثره من الناس فأراد رجمه، فحال قومه دونه وقالوا: لا نرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطلحوا على هذه العقوبة بينهم) [2] .
فالذي دفعهم لتغيير حكم الله بينهم المصلحة التي رأوها، والسبب الثاني: المحاباة والمجاملة؛ فالملك ترك حكم الله محاباة ومجاملةً لقريبه، وفي هذا نزلت الآيات.
وكذلك في رواية أبي داوود عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (فما يمنعكما أن ترجموهما؟) ، قالا: (ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل) . [3] إ. هـ.
فرأى اليهود أنه بدل أن يستشري القتل في رجالنا ويقضي على أكثرنا، عطلنا الرجم وأردنا أن نضع عقوبة تؤمن لنا بقاء رجالنا.
(1) سنن أبي داود حديث رقم (4450) ، تفسير الطبري 4/ 589.
(2) سنن أبي داود حديث رقم (4450) ، تفسير الطبري 4/ 589.
(3) سنن أبي داوود (4452) .