إذًا يتضح من هذه الروايات بصورة جليّة، أن الصورة التي قام بها اليهود بتغيير حكم الله وتبديله؛ هي أنهم اجتمعوا واصطلحوا وارتضوا واتفقوا على تبديل حكم الله وتغييره، ثم تكاتموا فيما بينهم، والذين تكاتموا هم الأحبار والرهبان، الذين قاموا بتغيير هذه الأحكام، فتكاتموها على أن يظهروا للناس أن حكم الزنا ليس هو الرجم، وإنما هو التحميم والتجبية، من عند أنفسهم وليس من عند الله تعالى؛ إذًا القوم غيروا حكم الله وبدلوه واستحدثوا حمم آخر مكانه هو الجلد والتجبية والتحميم.
أمر آخر يوضح لنا المناط الذي كفره الله به وهو الباعث الذي دفعه إلى تغيير وتبديل حكم الله؛ وهذه مسألة مهمة؛ فمعرفة الباعث بصورته الصحيحة يجعلك تعرف البواعث التي قيل أن وجودها دليل على الكفر الأصغر؛ وهذا الكلام في منتهى الباطل، فهذه البواعث التي ذكروها وجعلوها من الكفر الأصغر، هي بعينها البواعث المذكورة في روايات الصحيحين وفي روايات السنن، والتي كفرهم الله -عز وجل- من أجلها.
وأول تلك الروايات ما رواه الإمام مسلم عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أنهم قالوا: (نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم، والجلد مكان الرجم) [1] .
(1) صحيح مسلم (1700)