وفي رواية الطبراني عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنهم قالوا: (وإنا كنا قوما شببة، وكانت نساؤنا حسنة وجوهها، وأن ذلك كثر فينا، فلم نقم له، فصرنا نجلد والتعبير) [1] ؛ ومعنى هذا الكلام أن نساء اليهود كانت جميلات، فكثر الزنا في اليهود واستشرى، فلو صرنا نقتل ونقتل كما هو حد الرجم لم يبقى أحد من الرجال، وهنا العلة ظاهرة في أمرين؛ أولا: المصلحة العقلية وثانيا: الهوى؛ فالهوى جعلهم يقعون في الزنا، ثم يغيرون حكم الله من الرجم إلى الجلد؛ حتى يؤمنوا أنفسهم إذا وقعوا فيه فلا يطبق عليهم الحد.
وفي رواية قصة الدية عند أحمد، عن طريق ابن عباس رضي الله عنهما: (وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة، فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة، فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم، المدينة .. ، فقالت الذليلة:(وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا، وفرقا منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك) [2] .
فالذي جعل العزيزة تفرض على الذليلة أن تأخذ نصف الدية، بينما تعطي العزيزة الدية كاملة هو القوة والقهر. فهذه الرواية مصرحة بصورة واضحة، على أن الباعث لتغيير حكم الله في الدية، هو الظلم والقهر والجور والطغيان.
إذًا من مجمل هذه الروايات نقول أن الباعث وراء تغيير اليهود لحكم الله؛ هو المصلحة العقلية المجردة، والآراء الفاسدة والأهواء الباردة، والظلم والجور الاستبداد والشهوات، التي جعلتهم يتحايلون على شرع الله، حتى يقعوا في شهواتهم ويكونون في مَأمن من إقامة حد الله عليهم؛ وقارن هذه البواعث مع صورة العصر الحالي.
(1) المعجم الكبير للطبراني (11875) .
(2) حديث رقم (2212) .