فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 698

فمن أظلم الظلم أن تؤمن أن ربك حكيم عليم ثم تذهب لحكم غيره أو تحكم نفسك وآرائك وأهوائك، فالله -عز وجل-هو الذي خلق هذه النفس، وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو الذي يعلم كيفيّة صلاحها؛ فيعلم سبحانه وتعالى وما يصلحاها، ويعلم الأحكام التي تتناسب مع تلك النفس فهو الذي خلقها على غير مثال سابق، فكونك تذهب لحكم غيره خلل في التفكير؛ فكيف تؤمن أن الله خلقك ويعلم ما في نفسك ثم تذهب لتطلب صلاح نفسك وغيرك بحكم غيره.

فحالك تمامًا كرجل ترك مهندس قد صنع وإخترع جهاز أو ماكينة، يعلم تركيبها تمامًا، ويعرف كيف يصلحها إذا أصابها الخلل والعطب، فيأتي ويأخذ المكينة والجهاز لرجل آخر ليس له أي علاقة بالجهاز، وربما ما رأى صُنعها ولم يشارك في ذلك، بالإضافة إلى ذلك هو غير مختص بهذه الصنعة أصلًا؛ فيذهب بها إلى طبيب أو يذهب بها إلى محامي أو إلى غير ذلك من المهن، فبالإضافة إلى أنه لم يشارك في صنعها ولم يرى صاحبها وهو يصنعها هو أيضًا غير متخصص، فيذهب بها إليه حتى يصلحها، فهل يقبل هذا عقل؟ بل هذا كلام باطل، وفي دنيا الناس لا يحدث؛ فأحدهم إذا أصيبت سيارته بعطل يبدأ يبحث عن أحذق وعن أمهر ميكانيكي، خاصة إذا كان هذا الميكانيكي قد شارك في صناعتها.

فالله -عز وجل- هو الذي خلق هذه النفس وهو الذي يعلم ما يصلحها ويعلم ما فيها ويعلم مكنوناتها وهو الذي يعلم السر وأخفى، وهو أقرب إلى أحدنا من حبل الوريد؛ ثم نذهب لنطلب صلاح أنفسنا بتحكيم غيره، فالعقل مبدئيا يرفض هذا الأمر، فهم لم يشاركوا في الخلق، قال تعالى: (مَاأَشْهَدتُّهُمْخَلْقَالسَّمَاوَاتِوَالْأَرْضِ) [1] ، ولا يعلمون ما في النفس ولا يعرفون مكنوناتها، ولا يعرفون ما يصلحها، ولذلك رأينا التخبط المشين الذي يأتي به أصحاب القوانين ثم يزعمون زعمًا باطلًا أنهم مصلحون، وهم المفسدون غاية الإفساد.

(1) سورة الكهف\18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت