فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 698

إذًا وصلنا في المُحصِّلة، أن عبادة الله - سبحانه وتعالى - لها شقان؛ شقٌ يتمثل بالإثبات، وشقٌ يتمثل بالنفي؛ وسيأتي هذا الكلام، عندما نتحدث عن منزلة الحكم، بغير ما أنزل الله في التوحيد، فكله يخرج من مشكاة واحدة؛ شق الإثبات يتمثل في تحقيق العبودية لله - سبحانه وتعالى -، إلّا أنّ الأمر لا يتوقف عند هذا الحد؛ فحتى تكون تلك العبودية، عبوديّةً صحيحة كاملةً متكاملة، لابد أن يتبعها العبد بشق النفي، الذي هو الكفر بالطاغوت؛ وانظر لهذه الآية، التي ذكرنها: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [1] ، والإجتناب هو البعد والإبتعاد، فنهت الآية عن مجرد الإقتراب، فهو أبلغ من الأمر بالترك كما قال تعالى (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) [2] ، فنهى عن مجرد الاقتراب من الطاغوت؛ فما بالك بمن يقترب؟ وما بالك بمن يَختلط؟ وما بالك بمن يَدخل؟ وما بالك بمن يُشارك؟ فما بالك بمن يصبح، جزءًا من هذا الطاغوت؟

فنهانا الله عن مجرد الاقتراب، فقال: (وَاجْتَنِبُوا) ، فهو لفظ غاية في النهي، عن المعاشرة والمخالطة، أو حتى الاقتراب من هذا الطاغوت؛ أما اليوم، فالأمر صار على العكس تمامًا، الاختلاط بلغ درجته، والمعاشرة والمخالطة أصبحت شيئًا معروفًا؛ بل أن يصير الإنسان جزءًا من هذا الطاغوت، صار أمر واقع لكثير من الناس.

إذًا نقول: عبادة الله العبادة الحقّة، تتضمن أمرين؛ تتضمن تحقيق العبادة لله - سبحانه وتعالى -، وتتضمّن الاجتناب والكفر، بكافة تلك الطواغيت، التي عُبدت على مدار التاريخ الإنساني، وأعظمها وأشدّها محادّاةً لله ورسوله؛ طواغيت القوانين الوضعية، التي تُحْكَم بها بلاد الإسلام والمسلمين اليوم.

(1) سورة النحل\36.

(2) سورة الإسراء\32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت