أثر واحد لم يتناوله ناموس النشوء بالنقض من إحدى جهاته على هرم الدهر وتقادمه ، غير القرآن فإنه طبقة وحده فِي إعجاز تركيبه وسلامة معانيه ، لم تنقض منه آية ولا كلمة ولا ما دون الكلمة ،
ولا ذُكر معه شيء من كلام البلغاء .
ولا عورض به ولا أزيل عن موضعه ، ولا وزنه عقل إلا كان
مرجوحاً أبداً ، وما أراده أحد إلا أراده بغير طريقته ، ولا بحث عن طريقته إلا عي بإدراكها وبَعل بها ولم يدر ما هي ولا كيف هي ولا من أين يأتي لها ، وصار أمره نشراً لا نظام له وعاد علمه جهلاً لا بصيرة معه:
ولعمري إنه لشى فِي العجائب كلها شيء أعجب من إمكان أن يكون القرآن
مع هذا الإعجاز كله غير معجز ...!
ولقد كانت هذه الطريقة المعجزة التي نزل بها القرآن هي السبب فِي حفظ العربية واستخراج علومها ؛ وما كان أصل ذلك إلا التحدي بها ، فإن من حكمة هذا التحدي أن يدعوَهم إلى النظر في
أساليبه ووجه نظمه وتدبُر طريقته ، وأن يروزوا أنفسهم منها وَيزنوها به ، حتى إذا استيقنوا العجز وأطرقوا عليه ، كان ذلك سبباً لمن يخلفهم على اللغة إلى استبانة وجوه الإعجاز ، فكشف لهم
عن فنون البلاغة ، وتأدت بهم إلى حيث بلغوا من تتبع كلام العرب والاستقصاء فيه والكشف عن محاسنه ، وأغرى بعض ذلك من بعضه ، وأعان كل على كل ، حتى اجتمعت المادة وتلاحقت
الأسباب ولولا ما صنعوا لخرج الناس إلى العخمَة ، ولذهبت هذه الآداب ولما بقي فِي الأرض إلى اليوم من يقول إن القرآن معجز! .
وذلك بأن العرب لم يكن لهم من البلاغة إلا علم الفطرة ، ولم يكن لمن بعدهم من هذه الفطرة إلا ما ترجعه الوراثة من أوليتهم ، وهو شيء تتولاه العصور بالتحول والزيغ ، وتدأب عليه بالنقض والاختلاف ، حتى يخرج عن أصله إلى أن يكون أثلاً جديداً ، ثم إلى أن تنشق منه أصول