فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 4456 من 466147

أما إذا خرج الكلام إلى أن يكون فِي أوضاعه ومعانيه كأنه تصرف من الحواس فِي أنواع الإدراك ودرجاته كتصرف النظر فِي اكتناه الجمال وإدراك معانيه ؛ أو السمع فِي استبانة الأصوات وحس نغماتها ، إلى ما يشبه ذلك من صنع سائر الحواس فِي كمالها العصبي - فهذا هو الكلام

النفسي الذي يضيف إلى صفة المتكلم صفة البلاغة ويرتفع به عن أن يكون إنساناً من الجنس إلى أن يكون - بفضيلة البلاغة - مادة إنسانية لجنس الإنسان .

فإذا ارتفع الكلام إلى أن يصير فِي تقليبه ومداورته كأن طرق ما بين الحواس فِي أنواع إدراكها وبين النفس ، فلا يخطئ التأثيرَ ولا ينافر جهة من جهاته ولا يعدو أن يبلغَ من الفؤاد مبلغه الذي قسم له - فهذا هو الكلام الذي يبين البليغ ويفرده من قومه ويجعله مهوى قلوبهم وصمت

أبصارهم إذ يكون فِي نفسه من هذه القوة البيانية ما يجعله خليقاً أن يعتده التاريخ أحد المجامع النفيسة فِي الأرض ، وهم الذين لا يكثرون بعددهم ، ولكن بمواهبهم ؛ حتى إن أحدهم ليكون أمة فِي نفسه .

ويكون عمله تاريخ عصر من أمة ؛ وهم أولئك الأفراد العظماء الذين تبتدئ درجاتهم مما بين الخلقِ بعضهم من بعض ، إلى ما بين الخلق والخالق ، من الشعراء إلى الأنبياء .

فإذا بعد الكلام وأمعن حتى يكون بدقائق تركيبه وطرفِ تصويره كأنما يفيض النفسَ على الحواس إفاضة ، ويترك هذا الإنسان من الإحساس به كأنه قلب كله ، ثم يبلغ من ذلك إلى أن يكون روح لغة كاملة وبيان أمة برفتها ، لا يحيله الزمن عن موضعه ، ولا يقلبه عن جهته ، وإلى أن

يجعل البلغاء على تفاوتهم فيما بينهم ، وعلى اختلاف عصورهم وأسبابهم المتلاحقة ، وكأنهم معه طبقة واحدة وفي طوقٍ واحد من العجز ؛ يعنيهم طلبه ، ويعنِتهم إدراكه ويعرفون تركيبه ثم لا يجدون له مأتى من النفس ولا وجهاً من القدرة فذلك هو الكلام المعجز ، بل هو معجزة الطبيعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت