وأنت فمهما قلَّبتَ هذه الأسماء الخمسة ، فإنك لا ترى لها فصاحة إلا فِي هذا الوضع ؛ لو قدمت أو أخرت لبادرك التهافت والتعثر ، ولأعنتكَ أن تجيء منها بنظم فصيح ، ثم لا ريب أحالك ذلك عن قصد الفصاحة وقطَعَك دون غايتها .
ثم لخرجَتِ الأسماء فِي اضطراب النطق على ذلك بالسواء ؛
ليس يظهر أخفها من أثقلها ؛ فانظر كيف يكون الإعجاز فيها
ليس فيه إعجاز بطبيعته .
وبهذا الذي قدمناه ونحوه مما أمسكنا عنه ولم نستقصِ فِي أمثلته لأنه أمر مُطرد - تعرف أن
القرآن إنما أعجز فِي اللغة بطريقة النظم وهيئة كوضع ولن تستويَ هذه الطريقة إلا بكل ما فيه على
جهته ووضعه ، فكل كلمة منه ما دامت فِي موضعها فهي من بعض إعجازه ، ومن ههنا ينساق بنا
الكلام إلى القول فِي النوع الثالث .
الجمل وكلماتها
والجملة هي مظهرُ الكلام ، وهي الصورة النفسية للتأليف الطبيعي ، إذ يُحيلُ بها الإنسان هذه المادة المخلوقة فِي الطبيعة ، إلى معاني تُصورها فِي نفسه أو تصفها ، ترى النفس هذه المادة المصورة وتحسها .
على حين قد لا يراها المتكلم الذي أهدَفَها لكلامه غرضاً ولكنه بالكلام كأنه
يراها .
ولذا كانت المعاني فِي كلماتها التي تؤدي إليها كأنها فِي الاعتبار بقية الشعاع النظري الذي اتصل بالمادة الموصوفة ، أو بقية حس آخر من الحواس التي هي فِي الحقيقة جملة آلات الإنسان فِي صنع اللغة .
فإذا ركب الكلام على أصل من التركيب لا يتأدى بالمعاني إلى أبعد من مظاهر الحس ، فهذا هو الكلام الطبيعي الذي لا يزيد من فضيلة المتكلم أكثر مما تزيد الحواس نفسها فِي هذا المتكلم
من فضيلة الإنسانية ، وذلك أصل هو من رقة الشأن وخفة المنزلة بحيث يخرج الناس جميعاً بالسواء فيه ليس لأحد منهم على أحد فضل ، ما دام الكلام سواء فيهم من أصل الخلقة وطبيعة الحياة .