ولكنك واجد فِي الناس من ينقبض ذرعُه ويُقصر به علمه ، ولا يدعُ مع ذلك أن يقدم على الأمر لا يعرف من أين مُطلعه ومأتاه فيُمضي القولَ على ما خيلَ ؛ ويفتي بما اختال ، ولا يمنعه تقصيره من أن يستطيل به ولا استطالته من أن يكابر عليها ؛ ولا مكابرته من اللجاج فيها ، فيخطئ صواب
القول إن قال ، ثم يخطئ الثانية فِي تصويب خطئه إن احتج ، وما فِي الخط! جهة ثالثة إلا أن يصر على الخطإ .
ومما لا يسعه طوق إنسان فِي نظم الكلام البليغ ، ثم مما يدل على أن نظم القرآن مادة فوق
الصنعة ومن وراء الفكر وكأنها صُبَّت على الجملة صباً - أنك ترى بعض الألفاظ لم يأت فيه إلا مجموعاً ولم يستعمل منه صيغة المفرد ، فإذا احتاج إلى هذه الصيغة استعمل مرادفها: كلفظة
(اللب) فإنها لم ترد إلا مجموعة ، كقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ(21) .
وقوله:
(وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ(52) .
ونحوهما ، ولم تجئ فيه مفردة ، بل جاء فِي مكأنها (القلب) ، وذلك لأن
لفظ الباء شديد مجتمع ، ولا يفضي إلى هذه الشدة إلا من اللام الشديدة المسترخية ، فلما لم يكن ثم فصل بين الحرفين يتهيأ معه هذا الانتقال على نسبة بين الرخاوة والشدة ؛ تحسن اللفظة مهما
كانت حركة الإعراب فيها ؛ نصباً أو رفعاً ، أو جراً ؛ فأسقطها من نظمه بتة ، على سعة ما بين أوله وآخره ، ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة رائعة ، وهذا على أن فيه لفظة
(الجبّ) ، وهي فِي وزنها ونطقها ، لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من هذه الشدة فِي الجيم المضمومة .
وكذلك لفظة (الكوب) ، استعملت فيه مجموعة ولم يأت بها مفردة لأنه لا يتهيأ فيها ما يجعلها فِي النطق من الظهور والرقة والانكشاف وحسن التناسب كلفظ (أكواب) الذي هو الجمع .