السورة التي هي منها وهي سورة النجم ، مفصلة كلها على الياء ؛ فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل ثم هي فِي معرض الإنكار على العرب ؛ إذ وردت فِي ذكر الأصنام وزعمهم فِي قسمة الأولاد ، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بناب لله مع أولادهم البنات فقال تعالى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى(21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) .
فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة
التي أنكرها ، وكانت الجملة كلها كأنها تصور فِي هيئة النطق بها الإنكارَ فِي الأولى والتهكم فِي الأخرى ؛ وكان هذا التصوير أبلغ ما فِي البلاغة ، وخاصة فِي اللفظة الغريبة التي تمكنت فِي موضعها من الفصل ، ووصفت حالة المتهكم فِي إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدَّين فيها
إلى الأسفل والأعلى ، وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية .
والعربُ يعرفون هذا الضربَ من الكلام ، وله نظائرُ فِي لغتهم ، وكم من لفظة غريبة عندهم لا تحسن إلا فِي موضعها ، ولا يكون حسنها على غرابتها إلا أنها تؤكد المعنى الذي سبقت له بلفظها وهيئة منطقها ، فكأن فِي تأليف حروف معنى حسياً ، وفي تألف أصواتها معنى مثله في
النفس ؛ وقدن بهنا إلى ذلك فِي باب اللغة من تاريخ آداب العرب .
وإن تعجب فعاجب هذه الكلمة الغريبة وائتلافه على ما قبلها ، إذ هي مقطعان: أحدهما مد ثقيل ، والآخر مد خفيف ، وقد جاءت عقب غُنتين فِي"إذاً"و"قسمة"وإحداهما خفيفة حادة ،
والأخرى ثقيلة متفشية ، فكأنها بذلك ليست إلا مجاورة صوتية لتقطيع موسيقي . وهذا معنى رابع للثلاثة التي عددناها آنفاً ، أما خامس هذه المعاني ، فهو أن الكلمة التي جمعت المعاني الأربعة
على غرابتها ، إنما هي أربعة أحرف أيضاً .
ثم الكلماتُ التي يُظن أنها زائدة فِي القرآن كما يقول النحاة ، فإن فيه من ذلك أحرفاً: كقوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) .