فليس يستقيم فِي ألفاظ ذات معان ، فهو لغو من إحدى الجهتين ، ولو أن ذلك ممكن لقد كان اتنفق فِي عصر خلا من ثلاثة عشر قرناً .
ونحن اليوم فِي القرن الرابع عشر من تاريخ تلك المعجزة .
وقد وردت فِي القرآن ألفاظ هي أطول الكلام عدد حروفي ومقاطع مما يكون مستثقلاً بطبيعة
وضعه أو تركيبه ، ولكنها بتلك الطريقة التي أومأنا إليها قد خرجت فِي نظمه مخرجاً سرياً ، فكانت
من أحضر الألفاظ حلاوة وأعذبها منطقاً وأخفها تركيباً ، إذ تراه قد هيا لها أسباباً عجيبة من تكرار
الحروف وتنوع الحركات ، فلم يجرها فِي نظمه إلا وقد وُجد ذلك فيها ، كقوله: (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ)
فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف وقد جاءت عذوبتها من تنوع مخارج الحروف ومن نظم حركاتها ، فإنها بذلك صارت فِي النطق كأنها أربع كلمات ؛ إذ تُنطق على أربعة مقاطع ،
وقوله: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ)
فإنها كلمة من تسعة أحرف ، وهي ثلاثة مقاطع وقد تكررت فيها الياء
والكاف ، وتوسط بين الكافين هذا المد الذي هو سر الفصاحة فِي الكلمة كلها .
وهذا إنما هو الألفاظ المركبة التي ترجع عند تجريدها من المزيدات إلى الأصول الثلاثية أو الرباعية ، أما أن تكون اللفظة خماسية الأصول فهذا لم يرد منه فِي القرآن شيء ، لأنه مما لا وجه للعذوبة فيه ، إلا ما كان من اسم عُرْب ولم يكن فِي الأصول عربياً: كإبراهيم ، وإسماعيل ،
وطالوت ، وجالوت ، ونحوها ؛ ولا يجيء به مع ذلك إلا أن يتخلله المد كما ترى ؛ فتخرج الكلمة وكأنها كلمتان .
وفي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه ، وما حسنت فِي كلام قط إلا فِي موقعها منه ،
وهي كلمة"ضِيزى"من قوله تعالى: (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى(22) .
ومع ذلك فإن حسنها فِي نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه ؛
ولو أردتَ اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها ؛ فإن