الحالة أو ما تفهمه منهما قد سبقته إلى نفسك ، أو صارت معه إلى ذلك الموضع منها ، فإن أنت وقفت على حكمة لا تعرف وجهها ، أو سمعت مثلاً لم يقع إليك مساقه ، أو لا تكون معه قرينة
تفسره ، فقلما ترى من أحدهما إلا كلاماً مقتضَباً أو عبارة مبهمةَ .
تخرج مخرج اللغز والمعاياةِ ،
واحتاج على كل حال إلى رويية تتنزل منه منزلة ذلك الشرح الذي يعطيه مساقُ القصة أو صفة الحالة ، وانظر أين هذا من أغراض السور والآيات الكريمة ؟!!
فأنت ترى أن معارضة السور القصار أشد على المولَّدين ومن فِي حكمهم من إرادة
الطوال بالمعارضة ، وإن أرادوا مثلَ النظم أو لم يريدوه ، على أن المعارضة لا تكون شيئاً يُسمى ، ما لم تكن بمثل النظم والأسلوب ؛ أما النظم فقد علمتَ وجهَ استحالته ، وأما الأسلوب فستعلم
وجه الأمر فيه ...
وهذه الطوال ، فكل آية منها فِي الاستحالة على المعارضة تقوم بما فِي السور القصار كلها ، لتحقيق وجه النظم وأسرار التركيب واستفاضةِ ذلك وترادفها بما هو مقطعة للأمل ، ومن تعلق الآية بما قبلها ، وتسببها لما بعدها ؛ وظهورها فِي جملة النسق ، فأين يجولُ الرأي فِي هذا كله ومن أين يستطرد ؟
وسبيل نظم القرآن فِي إعجازه سبيل هذه المعجزات المادية التي تجيء بها الصناعات ،
وكثيرة ما هي ، إلا فِي شيء واحد وهو فِي القرآن سر الإعجاز إلى الأبد ، وذلك أن معجزات الصناعة إنما هي مركبات قائمة من مفردات مادية ، متى وقف أمرؤ من الناس على سر تركيبها
ووجه صنعتها فقد بَطلَ إعجازها بخلاف الكلام الذي هو صور فكرية لا بد من أوضاعها من التفاوت على حسب ما يكون من اختلاف الأمزجة والطباع وآثار العصور - ولا تجزئ فيها الصناعة وآلاتها - من صفاء الطبع ودقة الحسق وسلامة الذوق ونحوها مما يرجع أكثره إلى الفطرة
النفسية فِي أي مظاهرها .