أما نحن فنقول: إن الروايتين مكذوبتان جميعاً ، وإن ابن المقفع من أبصر الناس باستحالة المعارضة ؛ لا لشيء من الأشياء إلا لأنه من أبلغ الناس .
وإذا قيل لك إن فلاناً يزعم إمكان المعارضة ويحتج لذلك وينازع فيه ، فاعلم أن فلاناً هذا فِي الصناعة أحد رجلين اثنين: إما جاهلٌ
يصدق فِي نفسه ، وإما عالم يكذب على الناس ؛ ولن يكون (فلان) ثالث ثلاثة!
وإنما نسبت المعارضة لابن المقفع دون غيره من بلغاء الناس ، لأن فتنة الفرق الملحدة إنما كانت بعده ، وكان البلغاء كافة لا يمترون فِي إعجاز القرآن وإن اختلفوا فِي وجه إعجازه ؛ ثم كان ابن المقفع متهماً عند الناس فِي دينه فدفع بعض ذلك إلى بعض ، وتهيأت النسبة من الجملة .
ولو كانت الزندقة فاشية أيام عبد الحميد الكاتب ، وكان متهماً بها أو كان له عرق فِي المجوسية ، لما أخلَتهُ إحدى الروايات من زعم المعارضة: لا لأنه زنديق ، ولكن لأنه بليغ يصلح دليلاً للزنادقة .
وزعم هؤلاء الملحدة أيضاً أن حكم قابوس بن وشمكير وقصصه ، هي من بعض المعارضة للقرآن ؛ فكأنهم يحسبون أن كل ما فيه أدب وحكمة وتاريخ وأخبار فتلك سبيله ؛ وما ندري لمن كانوا يزعمون مثل هذا ؛ ومثل قولهم: إن القصائد السبع المسماة بالمعلقات هي عندهم
معارضة للقرآن بفصاحتها .
(7) وأبو الحسين أحمد بن يحيى المعروف بابن الراوندي وكان رجلاً غلبت عليه شِقوة الكلام ؛ فبسط لسانه فِي مناقضة الشريعة ، وذهب يزعم ويفتري ، وليس أدل على جهله وفساد قياسه وأنه يمضي فِي قضية لا برهان له بها - من قوله فِي كتاب (الفريد) :
"إن المسلمين احتجوا لنبوة نبيهم بالقرآن الذي تحدى به النبي فلم تقدر على معارضته ؛ فيقال لهم: أخبرونا:"
لو ادعى مدع لمن تقدم من الفلاسفة ... مثل دعواكم فِي القرآن فقال: الدليل على صدق بطليموس أو إقليدس ، إن إقليدس ادعى أن الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه ، أكانت نبوته تثبت ؟