وكان أمر مسيلمة الكذاب قد غَلَظ واشتدت شوكة
أهل اليمامة ، فنهدَت له بجمعها ؛ وخافها مسيلمة ، ثم اجتمعا وعرض عليها أن يتزوجها .
قال:"ليأكلَ بقومه وقومها العرب"فأجابت ، وانصرفت إلى قومها ؛ فقالوا: ما عندك ؟
قالت: كان على الحق فاتبعته فتزوجته .
ولم تدع قرآناً ، وإنَّما كانت تزعم أنه يوحى إليها بما تأمر وتسجع في
ذلك سجعاً ، كقولها حين أرادت مسيلمة: عليكم باليمامة ، ودفوا دَفيفَ الحمامة ، فإنها غزوة صُرامة ، لا يلحقكم بعدما ملامة .
وفي رواية صاحب الأغاني: أنه كان فيما ادعت ، أنه أنزل عليها: يا أيها المؤمنون
المتقون ، لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ولكن قريشاً قوم يبغون .
وهي كلمة مسيلمة ، وقد مرت آنفاً .
ثم أسلمت هذه المرأة بعد وحَسُن إسلامها ، وما كانت نبوتها إلا زفافاً على مسيلمة .
وما كانت هي إلا امرأة!
(5) والنضر بن الحارث ، وهذا ومن يجيء بعده لم يدعوا النبوة ولا الوحي ولكنهم زعموا أنهم يعارضون القرآن ، فلفق النضر هذا شيئاً من أخبار الفرس وملوك العجم ، ومخرق بذلك لأنه
جاء بأخبار يجهلها العرب ... ولم يحفل أحد من المؤرخين ولا الأدباء بهذا الرجل ، لحماقته فيما زعم ، وإنَّما ذكرناه نحن إذ كنا لا نرى الباقين أعقل منه ...!
(6) وابن المقفع الكاتب البليغ المشهور: زعموا أنه اشتغل بمعارضة القرآن مدة ثم مزَّق ما جمع واستحيا لنفسه من إظهاره .
وهذا عندنا إنما هو تصحيح من بعض العلماء لما تزعمه الملحدة من أن كتاب"الدرة اليتيمة"لابن المقفع هو فِي معارضة القرآن فكأن الكذب لا يدفع إلا بالكذب ، وإذا قال هؤلاء إن الرجل قد عارض وأظهر كلامه ثقة منه بقوته وفصاحته ، وأنه فِي ذلك من وزن القرآن وطبقته ،
وابن المقفع هو مَن هو فِي هذا الأمر ، قال أولئك: بل عارض ومزق واستحيا لنفسه ...!